إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

ترجمان معاني القرآن الكريم.. أهكذا يُكرَمُ؟

الترجمة ضرورةٌ حضاريةٌ، ولبنةُ أساس في حوار الحضارات وتلاقحها، ولولاها لما وصل إلينا فكر وعلوم وآداب الأمم السابقة وفنونها، وأنَّى لنا أن نعرف شيئًا عن سقراط وأفلاطون وغيرهما من أساطين الفلسفة والفكر لولا جسر الترجمة.

الحضارة العربية ما كان لها أن تكون فاعلةً لولا استثمارها للترجمة، وتلاقحها مع نتاج الحضارات الإغريقية والفارسية والرومانية والهندية، وقد وعى المسلمون والعرب هذه الحقيقة واهتموا بالترجمة أيَّما اهتمامٍ، وما (بيت / دار الحكمة) التي أنشئت مطلع العهد العباسي، وبلغت ذروة مجدها في عهد الخليفة العباسي المأمون إلا شاهد عدلٍ على ذلك، وما عطاء الخلفاء المسلمين للمترجمين إلا تقديرًا منهم لدورهم، وتروي كتب التراث أن المترجم كان يعطى وزن ما يترجمه ذهبًا، وفي عصرنا الحاضر هناك مراكز للترجمة في عدة عواصم عربية تبذل جهودًا مشكورةً في هذا المجال الحيوي الذي تتزايد أهميته يومًا تلو الآخر، لا سيما في ظل الانفجار المعرفي والمعلوماتي القادم من السماء والأرض فضائيًا، وأثيريًا، وشبكيًا، في عصر ثورة المعلوماتية.

وجاءت جائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة إدراكٌ منه رحمه الله، لدور الترجمة الفاعل في حلقات مسلسل الحضارة الإنسانية، وحرصًا على إحياء هذا الدور المهمش والمغيب كثيرًا في المشهد الثقافي العربي المعاصر، ورغبةً في تفعيله لتسهم الترجمة مجددًا في الحوار بين الأديان والحضارات، وهو الرد العملي على طروحات تصادم وصراع الحضارات الذي ارتفع صوته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وإذا كان للترجمة سابقًا ولاحقًا كل هذه الأهمية، فإن ترجمة معاني القران الكريم -باعتباره كتاب هدايةٍ وتوجيهٍ للعالمين جميعهم بغض النظر عن ألسنتهم وأجناسهم- كانت هدفًا لنوايا وطموحات وآمال كثيرٍ من المترجمين، وبعض هؤلاء المترجمين، حرص على نيل هذا الشرف مبتغيًا الأجر والمثوبة على نشر كتاب الله لغير الناطقين بالعربية، وخدمة المعرفة الإنسانية ليس إلَّا. وثَّمة فريق آخر كابد عناء الترجمة لحاجةٍ في النفوس ولغرض تشويه الدين، وخدمة أغراضٍ تبشيريةٍ وإيديولوجيةٍ مختلفةٍ، وكل مجازى بحسب نيته.

ومن المترجمين الأفذاذ المحسوبون على الفريق الأول -فيما نحسب والله حسيبهم- المترجم القدير (يوسف عبد الله علي)، الذي عاش في الفترة من 1872 إلى 1953م، وهو عالم هندي مسلم، خدم كتاب الله عز وجل (القرآن الكريم) أيَّما خدمةٍ، كما خدم الناطقين باللسان العربي المبين وباللسان الإنجليزي العريق، فقد قام -رحمه الله- قبل أكثر من سبعين عامًا بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، ونشر بجانبها (تعليقاته/ تفسيره) لهذا الكتاب العظيم بالإنجليزية أيضًا.

وقد نالت ترجمته قبولًا واهتمامًا وشهرةً لجودتها وشموليتها، وقد دخل في دين الله كثيرون بفضل الله ثم بفضلها ممن يتحدثون الإنجليزية. واعتمد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في فترة سابقة من تاريخه، تلك الترجمة بعد إجراء بعض التصحيحات والتصويبات عليها.

يقول الدكتور/ حسن المعايرجي، صاحب كتاب “الهيئة العالمية للقرآن الكريم ضرورة للدعوة والتبليغ” عن هذه الترجمة: “والترجمة الإسلامية المصدر والأوسع انتشارًا هي ترجمة عبد الله يوسف علي، ومحمد مرمدوك بكثال، وترجمة أبي الأعلى المودودي وآخرين من علماء الهند. وقد أصبحت ترجمة عبد الله يوسف علي، هي التي يعتمد عليها في الدعوة والنشر حتى الآن لحين ظهور تفسير أو ترجمة للمعاني أوفى وأشمل).

وقد طبعت هذه الترجمة عشرات المرات، وروجعت من قبل أفرادٍ ومؤسساتٍ ومنها معهد الفكر الإسلامي العالمي بأمريكا،
ويدلي الشيخ زكريا بلخمزة في موقع (شبكة أنا المسلم للحوار الإسلامي) على النت بشهادته حيال الترجمة قائلًا:
“… وهذه التّرجمة ظهرت سنة (1934م)، وهي من أحسن التّراجم الإنجليزية لمعاني القرآن الكريم -والتي ربّما تزيد على السّتّين ترجمةً ما بين سليمةٍ ومبتدعةٍ- وهي أشهر ترجمة في الوسط المسلم غير العربي، وتمتاز بحسن التّرجمة الإنجليزيّة، وجمال ألفاظها، وروعة تنسيق ترجمة الآيات بحسب سياق النّص القرآني العربي، ممّا جعلها تعكس نوعًا من الجمال القرآني في الأسلوب، وذلك لاحتوائها على حواشي وتفصيلات في مسائل وأحكام ورد ذكرها في الآيات الكريمة، ويتمّ شرح هذه الأحكام خارج ترجمة الآيات، بحيث تقتصر على المعنى الوارد في النّص القرآني دون زيادة تفصيل. ومن مميزات هذه التّرجمة أيضًا مراعاة طريقة تفكير غير المسلمين، وتبيان أحكام الإسلام والفوارق بينه وبين غيره من الأديان، خصوصًا اليهوديّة والنّصرانيّة، مع شرح لبعض الأحكام التي تهمّ غير المسلم أو المسلم العاميّ جدًا. أمّا من النّاحية العقدية فليس فيها خلافاتٌ أصوليةٌ وهي على منهج أهل السّنّة، وفضلاً عن اعتمادها من قبل الهيئات الاسلامية العالميّة في السّعودية والأزهر والهند وغيرها، فقد كانت محلّ اعتماد كثير من أهل العلم في الهند كالإمام أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن النّدوي رحمهما اللّه.
وللإنصاف نقول أنه بالرغم من شيوع هذه الترجمة وشهرتها وقوتها، إلا أن جوانب نقصٍ قد اعترتها شأنها شأن كلِّ جهدٍ بشريٍّ، كما أنَّها قد طالتها وصاحبها بعض التهم العقدية المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات، وقيل عن المترجم أنه من أتباع طائفة (البهرة)، وهي من فرق الباطنية وقيل أن بعض معتقدات هذه الفرقة طغت على ترجمته، ويرى بعضهم أنَّه شيعي المذهب وانعكس هذا على ترجمته وتعليقاته في بعض المواضع، ثمَّ أنَّها قُدِّمَت ابتداءً باللغة الإنجليزية القديمة، ووجدت بها بعض الأخطاء، ولكن هذا ليس موضع مقالنا هذا، كما أن هذه الملاحظات وغيرها –بغض النظر عن صحتها من عدمه– إلا إنَّها لا تقلل من عظمة الجهد الذي بذله المترجم، واستغرق منه بضع سنين تفرغ فيها لها بالكليّة”.

موضوع مقالنا كما هو واضح من عنوانه هو أن هذا المترجم العظيم، لم يكرم في حياته التكريم الذي ينبغي ويليق بعالمٍ مثله، وإذا كان هذا النكران صفة اشتهر بها العرب تجاه مبدعيهم ومثقفيهم عمومًا، إلا إنه من المخزي والمخجل أنه لم يكرم -حتى بعد مماته– وتبقى حالته واحدةً من حالات الاستثناء لقاعدة (العرب لا يكرمون مبدعيهم إلا بعد موتهم)! فهذا الرجل للأسف الشديد لم يكرم حيًّا ولا حتى ميتًا.

وعندما أعتب على العرب في عدم تكريمه وهو ليس بعربي الأصل، فما لذلك إلا لكونه عربي الإبداع؛ خدم لغة الضاد أكثر من خدمته للغته الأم، وحق لي والحالة هذه، أن أعده عربيًّا شأنه شأن سيبويه وابن جني وغيرهما، فالعربية رحمٌ بين ناطقيها.

لقد عاش هذا المترجم، قسطًا كبيرًا من حياته لا سيما شيخوخته في غرفةٍ صغيرةٍ بائسةٍ في مبنى أشبه بالرباط الخيري في لندن بعد أن خانته زوجته، وتنكر له أبناؤه، وأضاعه أبناء الضاد، والمسلمون أفرادًا ومؤسساتٍ رغم ما قدمه من خدمة للقرآن الكريم، فقد رآه أحدهم وهو يتسول المارة لقمةً تسد رمقه قبل يوم من وفاته.

أما نهايته فكانت أليمةً جدًّا حيث وجدته الشرطة الإنجليزية ذات ليلةٍ قارسة البرودة كثيرة الثلوج من ليالي شتاء لندن القاسي، في شهر ديسمبر (عز الشتاء)، مُلقًى على عتبة أحد بيوتها، هائمًا فاقدًا للوعي والحس. ونقل بعد ذلك إلى مستشفى بريطاني حيث مات في صمت دون أن يعرف أحد من هو! وبعد بحثٍ مضنٍ من الشرطة عن هويته، تعرَّفت عليه سفارة باكستان.

إن المؤسسات الثقافية والدينية في العالم العربي والإسلامي وحتى الموجودة في الغرب والشرق، مطالبةٌ حاليًا حد الإلزام بتكريم هذا الرجل معنويًا، وتعريف الأجيال بجهده وجهاده، والتذكير باسمه من خلال إطلاقه على مؤسسات تتناسب وعطاءه للقرآن الكريم وللغتين العربية والإنجليزية، لعلنا بذلك نخرج من تعميم المبدع الأستاذ محمد حسين زيدان -رحمه الله تعالى- الذي قال عن مجتمعنا السعودي ذات يوم (مجتمع دفان)، وبقية مجتمعات العرب والإسلام ليست منه ببعيدٍ.
————————————————–

نشرت في مجلة (الحوار) الصادرة عن مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني في عددها لشهر شوال 1434هـ.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

بقلم الأديب والباحث والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان_القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

ايميل:  qkhalaf2@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

مقالات ذات صلة

‫119 تعليقات

  1. حسبنا الله ونعم الوكيل.. لا تستغرب يا أباسعم فهكذا يكرم العرب مبدعيهم ومثقفيهم وصانعي المعروف فيهم.. تسلم فأنت بهذا المقال قد كرمته وأحرجت الجميع..

  2. أحزنني جدا ما حصل للأستاذ محمد حسين زيدان-رحمه الله- وربنا يتقبله في علييين، واذ نحن في هذا الموقف لا نملك له الا الدعاء بالرحمة والمغفرة من جانب ومن جانب اخر لابد من نشر علمه وابداعه وتبني كتبه ورصيده الفكري والحضاري..

  3. “لم يكرم حيا ولا حتى ميتا”.. مؤلم جدا قراءة عبارة مثل هذه.. أكرموا علمائكم ومثقفيكم ومبدعيكم فإن لهم فضل عليكم وعلى البشرية جمعاء.. أشكرك

  4. على وجه العموم، نحن كمجتمعات عربية نجنح الى تجاهل التكريم. لماذا؟ ربما هي روح المنافسة المتأصلة في الجينات العربية، وقد لخصها احدهم بقوله “وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذه “. عدم ادراك الشرف يدفع صاحبه الى نكران شرف غيره او تجاهله.
    اضم صوتي اليك واتمنى من وزارة الثقافة تبني هذا التكريم.
    مقالاتك هادفة ورائعة
    لكم المودة

  5. سلمت يمينك اديبنا الكبير ….الم يقل جل وعلا في كتابه الكريم ( هل جزاء الاحسان الا الاحسان )

  6. شكرا أبا سعد .. لا أعلم هل أثني على إنسيابية الطرح والأسلوب .. أم على لب الموضوع .. وماذا عساي أن أضيف بعد كل هذا .. للحقيقة أوفيت وكفيت.
    ومابقي الا أن نهمس في أذن أهل الشأن والقرار .. ونقول لهم لقد طرق الأستاذ خلف بابكم .. فهل من مجيب؟
    تقبل جل إحترامي وتقديري.

  7. بوركت ،،
    لكن هذا المجتمع هو باذن الله مجتمع نتاج وفيض وبركة ،، يكفي ان الاسلام خرج من هنا

  8. احسنت استاذنا الغالي
    مجتمعنا دفان
    وبقية مجتمعات العرب والاسلام ليست منه ببعيد !!!

  9. العرب لايكرمون المبدعين الا اذا ماتوا للأسف
    مقال رائع وانصاف للمبدع ترجمان القرآن الهندي الاصل والعربي الإبداع …

  10. نسأل الله عز وجل الرحمة والغفران لهذا الرجل.. فالله سبحانه وتعالى سيتولى تكريمه بجنة النعيم آمين

  11. إنها عادة شائعة معروفة في عالمنا العربي للأسف وهي العنوان على تخلفنا.. أشكرك

  12. حياك الله استاذ خلف وبياك وجعل الجنة مثواك .
    مقالك يعول عليه أنه تكريم للمبدع عبدالله يوسف لما قدمه للقرآن الكريم وكذلك للإسلام حيث كان له دور في إفتتاح ثالث مسجد في أمريكا الشمالية مسجد الراشد في مدينة إدمنتون، ألبيرتا في كندا.
    وأن كانت ترجمته للقرآن ليست مجرد ترجمة و استبدال لكلمة بكلمة أخرى فقط فعلى جائزة الملك عبدالله لخدمة القرآن تكريمه غيابيًا خاصة وأن جهوده تدرس في عدد من الجامعات الأجنبية ويستفاد منها .
    كان الافضل أن تشير لذلك أبا سعد وتطالب بتكريمه في الجهات المعنية بالحفاظ على القرآن الكريم وعلومه..
    مقالك جيد لكن تنقصه تلك الإشارة أعانك الله على المنتظر منك.
    اخوك حفيد الجرجاني

  13. نهاية هذا العالم شبيهة إلى حد ما بنهاية أحد أساطير كرة القدم المغربية والعربية والعالمية.. إانه الكابتن الدولي العربي بنبارك الملقب بالجوهرة السوداء، هو الآخر لم يكرم وتم تهميشه إلى أن وحد ميتا في شقته.. وقد تم إنجاز فيلم سينمائي عن حياته.. وأقترح بالمقابل أن ينجز عمل فني لفائدة هذا الرجل.. إما في السينما أو التلفزيون أو في المسرح.. حتى يصل أمره إلى الجميع.. أشكرك أخي أبا سعد كل الشكر..

  14. الترجمة ضرورةٌ حضاريةٌ، ولبنةُ أساس في حوار الحضارات وتلاقحها، ولولاها لما وصل إلينا فكر وعلوم وآداب الأمم السابقة وفنونها،

  15. نَّى لنا أن نعرف شيئًا عن سقراط وأفلاطون وغيرهما من أساطين الفلسفة والفكر لولا جسر الترجمة.

  16. ن المؤسسات الثقافية والدينية في العالم العربي والإسلامي وحتى الموجودة في الغرب والشرق، مطالبةٌ حاليًا حد الإلزام بتكريم هذا الرجل معنويًا،

  17. الحضارة العربية ما كان لها أن تكون فاعلةً لولا استثمارها للترجمة، وتلاقحها مع نتاج الحضارات الإغريقية والفارسية والرومانية والهندية،

  18. وقد طبعت هذه الترجمة عشرات المرات، وروجعت من قبل أفرادٍ ومؤسساتٍ ومنها معهد الفكر الإسلامي العالمي بأمريكا،

  19. وقد وعى المسلمون والعرب هذه الحقيقة واهتموا بالترجمة أيَّما اهتمامٍ، وما (بيت / دار الحكمة) التي أنشئت مطلع العهد العباسي،

  20. لا سيما في ظل الانفجار المعرفي والمعلوماتي القادم من السماء والأرض فضائيًا، وأثيريًا، وشبكيًا، في عصر ثورة المعلوماتية

  21. على الجميع أن يكرم هذا الرجل ويرد له اعتباره خاصة وأنه اسمه ارتبط بكتاب الله عز وجل..

  22. تغمد الله هذا الرجل برجمته الواسعة وأسكنه الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء آمين

  23. مقالة تحمل كل الحب والتقدير والعرفان لهذا الرجل الطيب.. نسأل الله أن يتغمده برحمته الواسعة

  24. تسلم يا أبا سعد.. لقد قمت بالازم وأنبت عن الآخرين في تكريم هذا العالم الذي ارتبط اسمه بالقرآن الكريم..

  25. والله أحزنني المقال كثيرا، لا أحد فينا يعرف عن هذا الرجل الفاضل شيئا بينما تتصدع رؤوسنا يوميا بأسماء من يقال عنهم فنانين وهم بعيدون عنه

  26. أبدع كثير من علماء الهند في خدمة الدين ترجمة وتفسيرا وسيرة، ثم ضيع المسلمون العرب خصوصا هذا الجهد بدفنه، رحم الله الشيخ عبد الله!

  27. للأسف ما زالت هذه العادة مستمرة، إنكار المبدعين وأحيانا دفن إبداعهم وجهدهم حتى بعد وفاتهم

  28. وقيل قديما إن الليث بن سعد كان ليكون أحد أئمة مذاهب الإسلام، ولكن أضاع علمه تلامذته.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى