11المميز لديناإسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

شهريار.. الحلقة (7)

وتستمر حكاية شهريار في حلقاتها.. فكانت  هذه الحلقات حسب روابطها 

الحلقة الأولى اضغط هنا   الحلقة الثانية اضغط هنا   الحلقة الثالثة اضغط هنا

الحلقة الرابعة اضغط هنا الحلقة الخامسة اضغط هنا الحلقة السادسة اضغط هنا

فوجئت بأنَّ الطارق لم يكن سوى صديقي فايز. وقبل أن أفتح له الباب، طلبت من شهريار أن يغادر الصالة، ويتجه لغرفة النوم، ويرتاح بها.

ذهب إلى هناك وهو يتمتم معترضًا. لم أسمع ما قاله جيِّدًا، ولكنِّي فهمت أنَّه كان يرغب في البقاء ليواصل مشاهدة التلفاز!
فتحت الباب.. رحبت كثيرًا بأبي محمد، الذي أحضر معه سلةً فيها ترمسين أحدهما به قهوةٌ عربيّةٌ يملأ عبق رائحة هيلها وبهاراتها المكان، وآخر به شاي، مع كميَّةٍ من التمر وأنواعٍ من الحلويَّات؛ شكرته كثيرًا.. وقال لي:

“أخبرني العامل بالشقق بأنَّك وضيفك قد جئتما إلى الشقَّة، فقلت أجيء أسلم عليكما، وأحضر لكما شيئًا من القهوة والشاي”.

وأضاف:

– ولكن.. أين ضيفك؟

إنّه مرتاحٌ في غرفة النوم.

– نادِ عليه.. أود أن أسلم عليه، وأريده أن يتناول معنا القهوة والشاي.

جزاك الله خيرًا. ولكن الرجل متعبٌ، ويرغب في النوم.

– ما زال الوقت مبكرًا. بوسعه النوم لاحقًا. الليل طويلٌ.

وأمام إصراره. اضطررت للذهاب إلى غرفة نوم شهريار، وطلبت منه الاستعداد لمقابلة صديقي أبي محمد في الصَّالة. ومن عجلتي -أو غبائي- فاتني إخباره بما ينبغي أن يقدِّم به نفسه لصديقي.

سُرَّ شهريار بذلك. وما هي إلا دقائق حتى خرج إلينا. سلَّم على أبي محمد. لم يترك لي مجالًا لتعريف أبي محمد به وقال:

“أنا من قبيلة (الشمامية) التي تقطن بعيدًا من هنا. وكنت بالجوار أبحث عن إبلٍ ضالةٍ لي”.

اضطربت.. لم أعرف ماذا أقول.. علامات الدهشة والغرابة كست وجه أبي محمد لأنَّي سبق أن أخبرته بأنَّ ضيفي هذا هو صديقٌ عزيزٌ، وضيفٌ كريمٌ أتى من منطقةٍ بعيدةٍ عنَّا، وقد نسي إحضار هويَّته معه، وليس معه ما يثبت شخصيَّته، ويصعب علينا التواصل مع أحدٍ من أقاربه ليبعث لنا بصورةٍ من بطاقة الأحوال لأنَّ قريته النائيَة التي قدم منها لا يوجد بها شبكة اتصال.

ظلَّ أبو محمد يوزع النظرات بيني وبين شهريار، مركزًا على ملامح وجهه وبنيَة جسمه الغريبة. ويبدو أنَّ اقتصار شهريار على الحديث بالفصحى قد أثار فضوله.

تناولنا جميعًا القهوة والشاي مع شيءٍ من التمر والحلويَّات. وظلَّ شهريار محدقًا نظره إلى التلفاز. حاولت أن أشتت انتباه فايز بسؤالي عن أهله وإخوته وأبنائه، وعن أنشطته التجاريَّة ومشاريعه القادمة. وأحسبه أدرك ما أرمي إليه.

قلت لشهريار:

– بوسعك الآن الذهاب لتنام.

ومن حسن حظِّي -إن كان لي من حسن حظٍ يذكر- أنَّه استجاب فورًا.

وبمجرد ذهابه، سألني فايز سؤالًا كنت أتوقعه وأخشاه:

– أبا ناصر، اصدقني القول، من ضيفك هذا؟

ومن تتوقع أن يكون؟

– قل لي.. رجاءً لا تغير الموضوع. قلت لي إنه صديقٌ لك يقطن في قريةٍ نائيةٍ، وهو يقول إنه من قبيلة الشمامية، ويبحث عن إبلٍ ضالةٍ له، وملامحه غريبة، وشكله غير مألوفٍ، ويتحدث بالفصحى فقط. ما قصّته؟

اسمع، يا فايز. العلاقة بيني وبينك لا تسمح لي بالكذب عليك أكثر مما فعلت. ضيفي هذا هو شهريار!

– شهريار؟ ومن شهريار هذا؟

شهريار زوج شهرزاد في الحكاية المشهورة.

– أبا ناصر، أتمزح معي؟ هذا ليس وقت مزاح.

أقسم لك بالله هذه هي الحقيقة.

– وتقسم أيضًا؟

نعم.

– بسم الله الرحمن الرحيم. عهدتك عاقلًا، أبا ناصر. ماذا جرى لك؟

مثل ما سمعت. أقسم لك بالله ثانيةً هذه هي الحقيقة. ولكن أرجوك دع الأمر سرًّا بيننا.

– ما عهدتك تكذب، وما عرفت أنَّك تجعل الله عرضةً لأيمانك في الصدق، فما بالك في الكذب؟ ولكنِّي أظنُّك قد جننت. شهريار مات منذ الآف السنين. كيف يكون ضيفك هذا؟

أتى لي به ماردٌ من الجن. هبط به من كوكبٍ عليّ منذ عدَّة ليالٍ.

– قل ذلك غيري، أبا ناصر. مارد وشهريار وشهرزاد. أين نحن؟

قلت لك الحقيقة. وأنت حرٌ، إما أن تصدقني أو تكذبني.

– ولكن لماذا قلت لي غير ذلك سابقًا، ولماذا يقول إنه من قبيلة الشماميَّة؟ وما هي قصَّة الإبل الضالة؟

سوء تنسيق وترتيب بيني وبينه ليس أكثر.

– لو سلمت جدلًا واعتباطًا بصحة ما تقول، فلماذا أحضرته؟ ولماذا لم تحضر شهرزاد؟ فهي الأولى والأهم. وكيف ستتصرف معه من دون هويّةٍ؟ و …

قاطعته:لست أدري. هذا الذي حدث، وكفى.

– أبا ناصر، هل أنت متأكدٌ من أنَّك بكامل قواك العقليّة؟

ماذا ترى أنت؟

– لم أعد أحسن الرؤية ولا السماع، ولا حتى الفهم!

وأردف:

أعود إليك مساء غدٍ في مثل هذا الوقت هنا. لعلَّي أجدك في وضعٍ ذهنيٍّ أفضل.

ضحكت، وقلت له: أهم شيءٍ. اكتم الأمر.

– خيرًا إن شاء الله.

وهمَّ بمغادرة الشقَّةِ. عرضت عليه أن يأخذ لوازم القهوة والشاي. قال ساخرًا:

– أبقها. يمكن “شهريارك” يشرب منها لاحقًا.

وبينما فايز خارجٌ من الباب، تنامى إلى مسامعنا صوت شهريار وهو يصيح عليّ بصوت الآمر الناهي:

= أبا ناصر، هلمَّ إليَّ.

ردَّدت عليه: حاضر.

= أريدك الآن فورًا.

قال لي فايز:

– اذهب إليه.. لعلَّ الأمر ضروري. أنتظرك هنا.

ذهبت إليه:

نعم سيدي. ماذا تريد؟

= لا تنس أن تطلب من صديقك أبي محمد أن يساعدك في البحث عن جاريةٍ لي.

خيرًا إن شاء الله.

تركته، ونفسي تتوق لأن أقضي عليه اللحظة.

عدت لفايز الذي كان ينتظر عند باب الشقَّة، ولحسن الحظ لم يسمع كلمةً مما جرى بيني وبين شهريار.

سألني:

– ماذا يريد منك؟

لا. لا شيء. يشكو من صداعٍ، ويريد علاجًا له.

رمقني فايز حينها بنظرةٍ تقول ما لم يجرؤ على قوله: ما أكذبك، يا أبا ناصر! ومضى في سبيله.

بعدها ودَّعت شهريار على أن أعود إليه في الغد، بعد أن أريته كيف يشغل التلفاز بجهاز الريموت كنترول ويغلقه، وشرحت له أيضًا كيف يتصل بي، ويرد على اتصالي به على الهاتف الموجود بالشقَّة عند الضرورة.

وعند خروجي مررت بقسم الاستقبال، ونفحت عامل الشقق شيئًا من المال، وشيئًا ليشتري في الصباح من الكافتيريا المجاورة بعض الشطائر وعصيرًا وشايًا، ويصعد بها إلى شقَّة ضيفي.

وما إن خرجت من الباب الرئيسي للشقق، حتى فوجئت بسيارةٍ واقفةٍ خلف سيارتي تمامًا، وبها رجلان ينظران بحرصٍ إلى باب الشقق كأنَّما ينتظران خروج شخصٍ أو دخوله.

——————————-

البقية في الحلقة القادمة إن أذن الله لنا بالبقاء واللقاء.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

الكاتب والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان_القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

ايميل:  qkhalaf2@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

مقالات ذات صلة

‫123 تعليقات

  1. قصة رائعة وجميلة وفي طياتها كثير من الأسرار مما يجعلنا ننتظر الجزء تلو الجزء، سلمت أناملك

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى