إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

موهوب أنت أم هاوٍ؟

فاقد الموهبة من الصعب بمكان أن يصل إلى مستوى من يمتلكها، خاصة ذاك الذي طعّم موهبته بالتحسين والتطوير المستمرَّيْن فنقول: صقل موهبته، أي نمّاها وهذّبها حتى ارتقى بها لمستويات عالية جدًّا، لا يمكن مجاراته في صنعته تلك مهما كانت، لأن المواهب تتعدد، فنجدها في الرسم والألعاب الرياضية والصوت الحسن …إلخ. وسنتحدث عن مجال الكتابة تحديدًا في مقالنا هذا، كونه الأقرب إلينا وإلى الكثير من القراء الكرام.

يعرِّف “ميرلاند” الموهبة على أنها: “المهنة الفطرية التي اختارها الله لك لتتميز فيها وتبدع ويزداد شغفك بها يومًا بعد يوم” وهو التعريف الأقرب لحقيقة الموهبة، لذلك نجد الكثيرين يحاولون ويبذلون أقصى ما لديهم دون التمكن كلّ التمكن، وهذا لا يعني أنهم يفقدون الموهبة بشكل كلي، بل هم يمتلكونها في مجالٍ آخر وما عليهم سوى معاودة البحث في دواخلهم وذواتهم؛ بُغية استخراج الموهبة التي رزقهم الله بها فعلًا، فاهتداؤهم إليها يُمَكِّنهم من النجاح بسهولة في حياتهم وتحقيق أبعد ما يمكنهم تحقيقه في مجالهم.

يعتقد الكثيرون.. من هواة الكتابة أو الراغبين في التحليق في عوالمها وميادينها سواء كانت كتابة أدبية [شعرًا أو نثرًا] أو أي مجال آخر من الكتابة، أن قضاء فترة زمنية طويلة كفيل بتحسين المستوى والارتقاء به، بينما يمكن أن تكون خرجتك الأولى متميزة وتحمل الكثير من الاحترافية من حيث المبنى والمعنى، وكما أن المسألة ليست متعلقة بشكل أساس بالمدة الزمنية، هي كذلك غير متعلقة بشهادة علمية عالية، حتى تحقق مرادك وتتحول من كاتب مبتدئ إلى محترف متمكن في أكثر من مجال، فهذا يعتمد على قوة إيمانك وتعلقك بما تقوم به، ذاك التعلق الذي يدفعك إلى تطوير قدراتك ومهاراتك في مجالك دون كلل أو فتور، فإن اكتشفت فعلًا أن الكتابة ليست إلا ترفًا، أو لا تعدو أن تكون متنفسًا وفضفضة عابرة، لا يُرجى منها رسالة وقضية بعينها، فهذا السبب وحده كفيل، وجدُّ كافٍ لتضع قلمك في أول فرصة من أجله، وتجد نفسك تتوجه إلى ممارسةٍ مختلفةٍ تمامًا، التي سرعان ما ستتركها هي الأخرى، وهذا هو الفرق بين الموهبة الفطرية والهواية التي نمارسها بحجج مختلفة، على شاكلة الانفصال عن ضغوط الحياة، أو كونها مُحبّبةً إلى النفس لا أكثر.

في حديثي و تواصلي شبه المستمر مع كثير من المبدعين المُحبّبَةِ إليهم الكتابة، أجد الكثير منهم يعيش ذلك التيه، الذي يُجبره غالبًا على النأي بنفسه عن هذا المجال، بعد اكتشاف صعوبته، وأنه ليس سهلًا البتة، بينما يظل القليل منهم متعلقًا بهذا الشغف، وهذا مقياس يمكننا من خلاله أن نحدد الموهوب من الهاوي، فالثاني سيتخلى بعد بِضعِ عراقيل، والأول سيواصل شق طريقه ولو منفردًا (عصامي) متسلحًا بتلك الملاحظات والتوجيهات التي أخذها من هنا وهناك ليهتدي بها كالمصابيح، سواء من لدن أصحاب المجال ومحترفيه، أو من خلال المطالعة والبحث الدائمين؛ حيث لا غنى له عن كليهما، فالبحث يعطيه رؤية علمية أكاديمية حول ما يود النبوغ فيه (قصة، رواية، مقال، شعر، …) وملاحظة من سبقه إلى الميدان تفيده؛ كونها ملاحظات نابعة من سنوات خبرة وتجربة راسخة، وتعتبر بحد ذاتها زادًا هائلًا يتزود بها الكاتب صاحب الموهبة في رحلته الطويلة نحو الارتقاء بحرفة، أسلوبًا وفكرة.

حديثي عن ضرورة الارتقاء بالحرف، من خلال تجارب السابقين، أو البحث المستمر،ةيأخذني إلى الحديث عن حقيقة لا مناص لهم منها، وهي أن الكاتب صاحب الهدف والرؤية والرسالة، لا يكتب لنفسه، بل يكتب للآخر، وقبل أن نفكر في الكتابة له، علينا أن نفكر بداية في [ماذا سنكتب له وبأي أسلوب سنكتب!]؛ فالقارئ تنفر نفسه من تلك الطلاسم غير المفهومة، والعبارات التي أكل عليها الدهر وشرب، أو ندُرَ استعمالها لدرجة أن باتت غير مألوفة، وكأني به يستعرض عضلاته اللغوية وما هو باستعراض في الأساس، إن هو إلا عبث غير مستساغ ولا محبّب، فضلًا عن تلك التراكيب الخاطئة، التي تضفي على النص ركاكة، وكأني بالكاتب يقتلع الكلمات والعبارات من مقابر الموتى، لا حياة فيها ولا روح ولا جمال، كما يستهجن الأسلوب المبتذل الذي يصل بصاحب النص إلى احتقار نصه والتقليل من قيمته حتى يفقدها.

وكثيرًا ما ردّدت أن القارئ كائن ذكي، بل في غاية الذكاء؛ بإمكانه ملامسة مكامن الجمال في أسلوبك من عدمه، كما بإمكانه التمييز بين القويّ منه والضعيف، وحديثي عن القوة والضعف لا يعني كما أسلفت الذكر، استعراض العضلات التعبيرية حتى يفقد النص معناه، ولا النزول به إلى مستويات متدنية جدًّا، وما التعابير التي يعتمدها الكاتب أيا كان اللون الأدبي الذي يكتب فيه، إلا إسقاطا لمستوى وعيه بما يكتب، فإن كان صاحب النص بحد ذاته غير مدركٍ لفكرته التي يُسوِّقها لغيره، فكيف لغيره أن يدركها ويعيها؟! .

كل هذا يعود بنا إلى فكرتنا الأولى -صلب المقال- وهي ضرورة أن يميّز المبدع الناشئ بين ما هو موهبة لديه وما هو مجرد هواية للترفيه فقط، لأنه بهذا التمييز يكون قد اختصر على نفسه مسافة طويلة من العناء، كما يكون قد أجاب على سؤال يطرحه على نفسه بطريقة أو بأخرى، مفاده: هل أنا على الطريق الصحيح أو الخطأ؟ هل سأواصل أو عليّ أن أجد لنفسي طريقًا جديدًا لأن الكتابة ليست طريقي؟.

الكاتب الجزائري/ طارق ثابت

مقالات ذات صلة

‫49 تعليقات

  1. راعى الكاتب ارتباط الأفكار في المقال بشكل وثيق، ولكن كنت أتمنى مزيدًا من التفصيل.

  2. المهنة الفطرية التي اختارها الله لك لتتميز فيها وتبدع ويزداد شغفك بها يومًا بعد يوم” أتفق معه في تعريف الموهبة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى