إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

وبشر الصابرين

عندما تتراكم علينا الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية ثم نعجز عن إيجاد الحلول التي ترفعها عن كواهلنا، فإن الملجأ والملاذ لنا بعد ذلك هو الله سبحانه وتعالى، والتزام الصبر وطلب الاحتساب؛ عسى فرج يأتي به الله، إن له كل يوم في خليقته أمر.

فالصبر قيمة عظيمة منحنا إياها ربنا سبحانه وتعالى، ليكافئنا الأجر والثواب كما يقول سبحانه ﴿وبشر الصابرين﴾ وقوله سبحانه ﴿والله يحب الصابرين﴾ وكم هي تلك الضغوط الكثيرة التي أكسبتنا الصبر حتى بلغ الأمر بالبعض منا مبلغ صبر أيوب عليه السلام. أما الأكثرون فقد ذهبوا ضحايا لأمراض المزمنة (الضغط، والسكر، والأمراض النفسية) وكل ذلك بالطبع ترتب عن الكثير من نواتج الخلل الاداري والمالي الذي يعتصر قلب بعض مؤسساتنا وينخر جسدها، وحتى نكون منصفين وغير ناكرين للمعروف فسوف نقدم الشكر لتلك المؤسسات التي أكسبتنا الصبر الجميل، ونجحت بتفوق فيإحراق دمنا ودم أهلينا.

واسمحوا لي أيها الأحبة أن أتحدث باسمكم جميعًا، وأتقدم بوافر الشكر وعظيم الامتنان لمن كان له الفضل الكبير في تعليمنا قيمة الصب، فأقول: (شكرًا ياشركة الكهرباء على ماتولينا إياه من اهتمام في استنزاف كل ما تبقى في جيوبنا من رواتبنا من بقايا الشركة الوطنية للمياه ووزارة التجارة من ارتفاعات عشوائية وغير مبررة وغير إنسانية لأسعار موادنا التي نستهلكها كل يوم وكل ساعة سواء كانت مواد غذائية أو كهربائية أو صحية أو ملابس بشتى صورها، وشكرا على أنكم علمتمونا الصبر على فتح أسواقنا لكل من هب ودب لتسويق البضائع الفاسدة، أو رديئة الصنع، أو منتهية الصلاحية، والصبر على فتح أسواقنا لكل من أراد الاستثمار من العمالة الوافدة نظاميًّا كان أم غير نظامي، ثم تركتم أسواقنا لهم ليحكموا فينا سيطرتهم.

ولا ننسى أن نشكر هيئة الغذاء والدواء التي علمتنا الصبر على تناول الكثير من الأغذية المسمومة أو المسرطنة، وشكرًا يا وزارة الشؤون البلدية والقروية على أنكم علمتمونا الصبر على الكثير من مشاريعكم وعلى ماتركتموه في شوارعنا من حفر ومطبات ومن تركتموه يسلب الأراضي بغير وجه حق، ومن تركتموه يخطط الأراضي ويبيعها دون بنية تحتية، وجعلتمونا نسف التراب أو نبتلع الطين بعد غرقها في مجاري السيول، وشكراً أنكم علمتمونا الصبر على غثاء مشاريعكم التي يطول انتظارها ثم تنجز مهترئة.

ولا ننسى أيضًا أن نقدم لكم شكرنا العظيم على أن منحتمونا الصبر الجميل على تلك الحفر المتناثرة في كل بقعة من بقاع شوارع مدننا، ونزيد من شكرنا الجزيل على منحكم الممنوحة لذوي الدخل المحدود التي قذفتِ بهم في متاهات الصحراء.

أما شكرنا الأعظم فهو موجه إلى محاكمنا الشرعية التي تتفنن في المماطلة والتسويف لاستخراج صك أراضي، أو فك اشتباك قضية اجتماعية أو اقتصادية؛ حتى أصبح اللجوء لها همًّا كبيرًا يفوق هم القضية نفسها: فالمواعيد المتباعدة جدًّا، أو ثغرات النظام، وقلة عدد القضاة، وتغلغل البيروقراطية، أدى إلى الكثير والكثير من حالات القصور الإداري والمالي التي يذهب ضحيتها دائمًا المواطن المغلوب على أمره بعد أن يرى أن الابواب أمامه موصدة، ولسان حاله كمن يستجير من الرمضاء بالنار، وليس أمامه سوى ممارسة فضيلة الصبر الجميل.

وبما أن مسلسل المعاناة قائم على قدم وساق، وسيل القصور الإداري والمالي جارف ومتعدد المسارب فإن الضغوط أيضًا ستستمر، والمعاناة ستطول، والصبر سيمتد حتى تكتمل خطتنا الوطنية 2030، والتي نأمل كثيرًا أن تحل مثل تلك القضايا وتشكر المواطن على طول صبره.

والله تعالى من وراء القصد.

بقلم/ د. محمد سالم الغامدي

مقالات ذات صلة

‫80 تعليقات

  1. لكل من شارك في التعليق على مقالي كل الحب والتقدير ولكم أقول أنتم الوقود والسند والداعمين الصادقين بتوجيهاتكم ومتابعتكم الثرية دوماً فلكم مني كل الشكر والتقدير ❤️

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى