إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

وجع كتاب بلا سطور

كان يستمع إليها وهي تبكي، لم تكن تبكي بل تحكي، لا بل كانت تنشطر وتقول أشياءً لا تسمع إنما تُرى. تراصت الحروف بمخارجها وترنحت ما بين حبالها الصوتية محدثة أصواتا وموسيقى جد حزينة لا يستسيغ فحواها عدى أبكم أو أصم؛ فلا فوضى كثيرة بسمائهما، ولا من زحمة المرور يتذمران أو يمتغصان، إذ وهو يتلبس بالاستماع إلى تلك الموسيقى، تناغم وانسجم انسجامًا مع تلك الإيقاعات، إلى درجة أنه أمسك بزمام الأمور وتولى قيادة الجوقة، واسترسل منتعشًا، يرشدها مستدلًّا بتلك النوتات المعلمة على ذاك الكتاب المفتوح خالي السطور، لكم كان بارعًا في رسم شكل الحزن المبتسم وقتما تشتعل شرارة من فوق فوهة المعدة وتكدح بباقي التجاويف والغدد.

الإيقاعات كانت تتبدد وتتغير من بطيئة إلى متسارعة كما تقره نبضات قلبها الذي يخفق ويرسل للفرحة رعشة الخوف وبعض إشعارات بولوج الضوء عبر مسامات جسمها الراقص على تلك النغمات. كانت تلك الدموع الحبيسة بفؤادها كحبات الحصى تعلق بالكلى، وتحدث تشنجات تصعب عملية طرح السوائل السامة إلا أن تلك الشعلة الملتهبة من على فوهة المعدة، استغلها جيدًا قائد الجوقة واستنكح حبة الحصى من كذا شعاع ليزري ملتهب، وفتتتها إلى دمعات تتلظى نارًا وغليانًا؛ أحدث حروقًا بليغة بجوفها الذي يتجول فيه الهواء دخولًا وخروجًا، فقط يستعسر ذلك بلحظات المحافظة على النسق وضبط الإيقاع جراء احتباس تلك الحروف وتراصها على امتداد القصبة الهوائية؛ فيخشوشن الصوت تارة كيفما تعزفه الحبال المهترئة، ويلين تارة أخرى كلما اشتد النزيف الداخلى، والنحيب الصامت.

إنها من كانت فعلًا تتألم، ووحده الذي يستلطف أنفاسها ويستمع لموسيقاها وهي تبكي وقتما أرادت أن تصرخ وتشتكي الحروق، وتقول بأحرف من شظايا بركان وحموم: “أريد أن أعيش يا ربِّ في مأمن من الريح الغاشمة، وأفرح بالعيد، وأرى ثلاثتهم: سارة، ماريا، ومطر رجلي الصغير، يركبون الأفق ويتجملون من ذاك الأصيل كيفما امتد المدى، وحيثما أرسى العمر، وأينما توقف مدّ العيون.

إلى من أناه أناي.

الكاتب الجزائري/ رياض عيساوي

مقالات ذات صلة

‫71 تعليقات

  1. لمست التماسك بين الفقرات والتدرج بها من فقرة إلى أخرى؛ لإيصال الفكرة إلى القارئ.

  2. راعى الكاتب ارتباط الأفكار في المقال بشكل وثيق، ولكن كنت أتمنى مزيدًا من التفصيل.

  3. بارك الله في الجميع ،سعيد جدا بتعليقاتكم ،ومؤازرتكم لحرفي الذي يريد ان يقول شيئا ويحاور ،حتى تصلكم الفكرة مبسطة ،ويسهل على الجميع على إختلاف المستوبات ،القراءة والإنتعاش في آن واحد.
    أتمنى ان اكون عند حسن ظنكم بي قراءي الأعزاء وأعدكم بالمثابرة ،والأخذ بنصائحكم وإرشاداتكم ،وسيأتيكم مني الجديد ،فترقبوه .

مرحبًا فضلا اكتب تعليق وسينشر فورًا

زر الذهاب إلى الأعلى