إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

على أكتاف الوجع

ويسقط عاليًا من شرفة الأحلام وشهقة الحب؛ لتتدحرج أنفاسه العليلة في تلاوين الظلام، وسكون الأوهام.
لوحده استيقظ من غفوة الأحلام؛ و استرسل في لهفته بحثًا عن حبها وسط الركام؛ ركام الخوف، والقهر، والعذاب.
ثم استدار لنفسه فإذ به خاليا، وحيدًا، باردًا وسط السواد، ينشد النور، وبريق حب لم يكتمل، ولم ينضج بعد من ثغرها.
لم يعاتب القدر ولم يسلم أمره للخديعة، بل ظل شامخًا، رافعًا أنفه في أعماق حزنه، لا يعرف الهزيمة حتى وهو مهزوم، إنه بطل يقتل نفسه فداء الوطن ولأجلها.

لكنه اليوم يداف في وحدة قاتلة؛ بين أربع جدران باردة، وفارغة من الرحمة، لا يفقه كيف يدفأ قلبه البارد أيضًا من صقيع الأوهام.

هو يشجي ولا يبكي، أو يطارح الوجع ويختفي في جلبابه، أو لعله ينازل آلامه بصبر يتجدد بين الفينة والأخرى، لكن هل يدوم على هذه الحال؟ فدوام الحال من المحال كما يقال.
أم أنه سينهار ذات صباح ليصرخ: “أطلقوا سراحي لأجلها”؟

الحب يفعل المستحيلات، فهو يجدد الأسمال البالية، ويجبر الزجاج المنكسر، ويرقع شظاياه فتعود كما كانت.
والحب أيضا يصنع التاريخ، والمجد والبطولة، ويحرر العبيد والعقول والحقول بإرادة عجيبة وقوية، سرها الإيمان بمن نحب وبما نحب.
كما أنه روح الكون ولولاه لما عاشت به الكائنات بضع ثوانٍ، إنه كائن رائع؛ لا بد أن نغذيه بعقولنا وعلمنا وعملنا.
لكن.. هل ينتصر حب الوطن على حب المرأة أم أنهما يتعادلان، نصرًا أو هزيمة.

فعلى طاولة الشطرنج يلتقي اثنان أحدهما سيغلب صاحبه، إما بحذاقته وذكائه، أو بحيلته ومكره ودهائه، أما الثاني فهو مهزوم ربما لعدم حرصه على الفوز، أو ربما لاستخفافه بقدرات مباريه، أو ربما لا يهمه إن فاز أو خسر.

لكنه أمام جبروت الموت لا يفقه للعب شيئًا بل لا يجد له مكانا، فليس له محل من الإعراب، فبين خوف وهلع وثورة وجدانه، وطوفان حبه ولفحات الهوى، وصمت الجدران وانتظار النهار، تتجلى بطولته وحصافته ورصانته.
إنه يبارز الليل وظنونه، والوجع ولسعاته، والحب وطرقاته، فبمن يحتمي؟ وهل يخسر أم يفوز بجولات اللعب؟

عادة ما يفوز باللعب أصحاب الأعصاب الباردة، فبكل برودتهم يوقدون فتيل فوزهم. وهل هو في ساحة اللعب أو المغامرة؟.

نعم قد أصبح كذلك بعدما سلب حكم الإعدام توازنه.

يقف تارة ثم ينتفض جالسًا، يرفع يديه الخاويتين من الدفء ليناجي ربه: “يا رب أنا العبد الضعيف وأنت قوتي، لا حول لي ولا قوة إلا بك؛ مدني بعون ومدد منك، وفرج كربتي يا مفرج الكروب”.

ثم يلتوي على نفسه ليفتح بابا للذاكرة الخرساء لتنطق أخيرًا، بحلوها وبمرها، لتقول له: “أنت الفائز والبطل فعمرك كله بطولة قد دونت اسمك في التاريخ فامضِ إلى حيث تريد فالله معك”.

إنه يعيد شريط حياته على عجل ليقف في المناطق الصامتة، ليسأل: “هل هذه هي حياتي تضحية وبطولة فحسب، وأين نصيبي منها؟، فأنا لم أتجاوز الثلاثين عامًا، ولم أتزوج بفتاتي التي أحببت، ولم أنجب أطفالًا ليحملوا اسمي. هل أموت فجأة دون أن أترك ذكرى من لحمي ودمي؟.
فأي بطولة تنتظرني من الإعدام ووطني لم يتحرر بعد.. وما ذنب خطيبة انتظرت عرسها لخمس سنوات ثم تدفن حبيبها لتعيش جرداء قاحلة من السعادة تجر أذيال الحياة إلى الموت لا غير،
اللعنة.. اللعنة، كيف أصبر يا رب. هو ميت لا محالة، فهل يخمد نيران حبه المشجب وشوقه الملتهب في صدر ملّ النصب من عشقها المتمرد ليفي بعهده للوطن ويستشهد ويقفز إلى أعلى درجات الشرف؟؛ عله يصغي إلى حبها ليحاول إنقاذ رأسه قبل أن يستأصلوه من جذوره.

إنه لا يدري ماذا يصنع في خلوته برفقة السجان، بيد أنه إنسان، رغم جبروته في ساحات النزال وانتصاره في مصارعة العدو، وصبره لسنوات تحت وطأة الحرب، يحافظ على هدوئه، ولن يهدأ ما دام يؤمن بقضيته وقضايا وطنه المستدمر.

لن يهدأ.. حتمًا سينهار في وجه الظلم ليعلن الحرب ضد السجان و من وراءه؛ فهو مظلوم كإخوانه ومن حقه أن يدافع عن كيانه، وعن حريته، وعن كرامته، وعنها مادام حيًّا.

ويأتيه الضعف راكضًا في عتمة الصبر، ليلقي به في قفص الاتهام وهو السجين المرغم على الوحدة القاتلة بين جدران لا تسمعه إذا تحدث إليها ولا تحس به إن خارت قواه.
ولأنه لم يجدها بقربه، انتفض باكيًا دون أن يسمع أحدٌ، ليصرخ ببقايا صوته المبحوح: “آه يا عمري المتراكض صوب الحلم؛ لا حلم بعد اليوم، أُعدمت وانتهت حياتي قبل أن تبدأ، وهذا القلب العاشق لا حبيب له بعد اليوم؛ غدا ينفذ حكم الإعدام فلا كلام ولا سلام، ولا حتى مجرد سلام من رفيقة الأحلام، من الجزء النابض في روحي…”

محمولًا على أكتاف الوجع
صوتي بالكاد يُسمع
ووجهي أرهقه الدمع
أكاد أقع
من علو الآهات
وشساعة القمع
أكاد أقع
أتوسد إرادتي المتورمة
قد اخترقها مدفع
يحمل الموت إليّ
بصوت مفجع
يأتيني مباغتًا
يقول لي الموت اركع
يسحبني من مسافات الحياة
لرحيل مزمع
يغتال صفحاتي العذارى
ويخر ظس القصيد المتوجع
ويغتصب أفراحي إن وجدت
ويبكم حبي الساطع
لوطني آه لو يسمع.

الكاتبة الجزائرية/ د. فتيحة رحمون

مقالات ذات صلة

‫71 تعليقات

  1. نجحت الكاتبة في توليد المعاني (انطلاقًا من المعنى الأم ثم تفصيله بمعانٍ تابعة منه)

  2. قرأت للكاتبة عدة نصوص فوجدته يحرص على تنوع المواضيع، وجمال المفردات وحسن انتقائها

  3. هناك بعد الصور البيانية لم أفهمها جيدًا، لكن الشاعرة أسرتني بجماليات أسلوبها وروعة تعابيرها

مرحبًا فضلا اكتب تعليق وسينشر فورًا

زر الذهاب إلى الأعلى