إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الدونيّة والاستعلائية 

يعتقد البعض انّ محاربة العادات والأعراف الاجتماعية النقلية، والإرث القيمي، هو تحرّر ثقافي واجتماعي؛ فيهاجم
الأفراد الفطريين في معتقداتهم، وإيمانهم.

النقيض من ذلك، انّ الأصوليين الاجتماعيين والعقائديين، يسفّهون أية محاولة للانفتاح الثقافي، ويقفون ضد تجريب معرفات جديدة، ويعتبرون التلاقح معها تحلّلا.

وفي حين لا يعني الانعتاق، تسفيه الواقع، واتّهام المحافظين الاجتماعيين والعقائديين بالرجعية، فإن الإصرار على الثقافات الداخلية لا يعني اعتبار كل استيراد ثقافي أو اجتماعي، مؤامرة.

ولأنّ نشر الرأي أصبح من دون رقابة صارمة عبر الإعلام والتواصل الاجتماعي ومجموعات التراسل الفوري، فقد أصبح تسفيه عقائد الناس وأيديولوجياتهم شائعًا، واستفحلت التهجمية والسلوكيات الاستعلائية الموجّهة من قبل الثقافة القوية إلى الواهنة.

الأكثر إثارة، أنّ مبادئ احترام معتقد وثقافة الآخر -كنظريات ومفاهيم- تعج بها كل أنواع العقائد الدينية والسياسية،
لكنها من دون تطبيق؛ حيث الكراهية هي المسيطرة، واحتقار ثقافة الآخر هي الحافلة، بل أصبح احترام معتقدات الآخرين ودعوات التعايش يصنّف على أنه قصور وتراجع.

أكثر من ذلك، فإن المنفتحين الذين يسفّهون العادات والتقاليد الفطرية التي يمارسها أبناء المجتمع، يتهمونها بأنها السبب في التخلف، وعدم اللحاق بموكب الحضارة، فيما المحافظون المتزمتون يتهمون التفاعليين مع الثقافات الأخرى، لا سيما الغربية منها، بأنهم أصل البلاء، وذهاب النعمة، وإفساد الناس، وفقدان الهوية.

دول متقدمة غزت الفضاء، وبنت المصانع، ووظّفت تطبيقات العلم في بناء المجتمعات، ومنها الهند، لا يزال الجزء الأكبر من شعبها يقدّس البقرة، وهي التي نجحت في خلال عقود قليلة، من التحول من مستعمرة فقيرة إلى دولة متقدمة.

روسيا.. تعتبر التراث التاريخي بعاداته وتقاليده الاجتماعية ومهرجاناته الدينية، وتنوعه العقائدي بحسب القانون الصادر عام 1997، كنزا معرفيًّا وتاريخيًّا يجب عدم التفريط أو الاستهانة به. في الوقت ذاته، فان التيارات الداعية إلى الاندماج في العولمة والحضارة الغربية، لا تُتّهم بأنها تسعى إلى مسخ الهوية الثقافية الروسية.

في أمريكا.. لم يسفّه أحد (رالف درولينجر) وهو وزير متدين أمريكي، اعتبر أزمة فيروس كورونا غضبًا إلهيا وهو عقاب للأمريكيين الشاذين أخلاقيًّا، فيما قسّ فلوريدا المحافظ (ريك وايلز) اعتبره عقابًا من الله لمعارضي المسيح.

شعب يوهنانين في جزيرة تانا في المحيط الهادئ.. يعبد دوق أدنبرة، الأمير فيليب زوج الملكة إليزابيث الثانية، ونال هذا الاعتقاد احترام الحكومة البريطانية، لأنه يعبّر عن ثقافة القبائل في هذه المستعمرة البريطانية.

ما زالت استراليا متفتحة على العبادة الوثنية لسكان البلاد الأصليين، الذين يظنون أنهم ينحدرون من مخلوقات أتت من عوالم أخرى.

وعلى الرغم من اعتقاد الفيلسوف الهولندي (بول كليتور) أن “الثقافة الغربية” هي الأفضل في العالم بدليل قوتها على
جذب الثقافات الأخرى للعيش تحت ظلالها، فضلًا عن إنجازاتها في العلم والمجتمع، فإن التسامح يبقى مصدر قوتها.

ولا يهم فيما إذا جميع “الثقافات” متساوية النفوذ أم لا، لكن المهم أنها تتحاور فيما بينها في البيئة الصحية التي تضمن الفوز والبقاء للأقوى، وهذا يفسر عدم خوف الكثير من المفكرين الغربيين من اضمحلال الثقافة الغربية.

رئيس الوزراء اليميني الإيطالي (سيلفيو برلسكوني)، الذي قال: “يجب أن نكون على دراية بتفوق حضارتنا، نظام قائم على الرفاه، واحترام حقوق، وهو أمر ليس لديك في الدول الإسلامية”. إلا أن ذلك لم ينعكس على سياسة الدولة الإيطالية تجاه المهاجرين والغرباء الذين ينالون من الحقوق والامتيازات، أكثر مما كانوا يحفلون به في البلدان الأم.

إحلال الثقافة المتعددة، بدلًا من الأحادية يؤدي بالضرورة إلى خطاب عقلاني يتعامل بإنصاف مع الحقوق الاجتماعية الأساسية لكل فرد مهما كان معتقده غريبًا.

الكاتب العراقي/ عدنان أبوزيد

مقالات ذات صلة

‫52 تعليقات

  1. للأسف كل هذا من نتاج العولمة وليس الانفتاح، فأبدًا كانت الحضارة الإسلامية منفتحة على شرق الأرض وغربها وإلا لما انتشر الإسلام، ولكن الآلة الإعلامية الدعائية التي امتلكها الغرب حالت دون تنقيح ما يصلنا، ونحن للأسف شركاء في الجرم.

  2. تعدد الثقافات داخل المجتمع الواحد يهدف إلي طمث الثقافة المجتمعية في هذا الإقليم وخلق ثقافة أخري بديلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى