إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

قراءة في قصيدة كن لحظة للشاعرة/ أسماء القاسمي

القراءة للأديب والناقد الدكتور سيد سليم

الأديبة أسماء بنت صقر بن سلطان القاسمي شاعرة ابنة شاعر، هذه قراءة نقدية لقصيدة من قصائدها 

إن الحنين إلى منازلنا الأولى في عالم الذر قبل الهيكلية الأولى لأبي البشر سيدنا آدم ـ عليه السلام ـ هذا الحنين إلى أول خطاب سمعته أرواحنا: {ألست بربكم} يدفعنا إلى الشوق إلى هذا الجمال؛ ففيه ما فيه:
فحي إلى جنات عدنٍ فإنها = منازلك الأولى وفيها المخيم

نعم استطاعت الشاعرة أسماء بنت صقر القاسمي من خلال تجربتها الشعرية أن تحلق بنا بعيدا متوارية خلف حجاب الأين أحيانا، وأحيانا تذهب إلى اللا أين، كما استطاعت أن تخترق الحجب جميعها وأن تنثر وتبعثر بعض حروفها هناك؛ فالشاعرة تقابل في مسيرة الروح أصحاب المعاني التي ضاقت بها الأواني: كابن عربي والحلاج ولا مانع لديها أن تشرب من دنان ابن الفارض التي جعلته يترنم بكل معنى بعيد عن عوالم المحسوسات في خمرياته المعنوية الروحية ؛ حين يقول:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة = سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرها =هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
يقولون لي صفها فأنت بوصفها = خبير اجل عندي بأوصافها علم
صفاءٌ ولا ماءٌ ولطفٌ ولا هوى = ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جسم
كما تتمازج مع علويات ابن عربي الآنسة المؤنسة، وتضيق بما ضاق به الحلاج حتى خلع ثوب عن هيولي الجسد؛ فصار روحا تحرق معالم الجسد! ثم ضاق أكثر، وشكر قاتليه قبل قتله، بل طلب منهم ذلك:
اقتلوني يا ثقاتي = إن في قتلي حياتي
وحياتي في مماتي = ومماتي في حياتي
نعم إنها سباحة في عالم اللا محدود فهي تحلق بنا إلى ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) أحيانا، وأحيانا تهبط إلى عالم الأرض فتصدمنا بالواقع.
وكثيرا ما يكون الحال أقوى من العبارة؛ فلا يكفي جسم العبارة عن مضنون الإشارة.
إن ابن عربي لخفاء إشاراته على معظم أعلام وعلماء عصرة احتاج أن يشرح لهم ديوانه (ترجمان الأشواق) بمزيد من الأشواق، بل بمزيج من الأذواق، وشاعرتنا من خلال تلاحم قصائدها وتنوع أجوائها الجمعية تشرح الشعر بالشعر والحال بالحال وسنعرض نماذج لذلك في ثنايا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ إن انعكاس الصور في القلب عند الصفاء؛ تتجعله يضيق بما يصف لاتساع الوارد واتساع المحل أيضا؛ قول ابن عربي:
أدين بدين الحب أنى توجهت = ركائبه فالحب ديني وإيماني
وبالنظر في قصيدة شاعرتنا: (لحظة كن) نجد أنها قد اختارت التعبير الزمني اليسير (لحظة) ولم تختر، مثلا كلمة (سر، أو أمر،…. كن) كما هو معهود ومتداول، وتنبثق من تلك اللحظة عوالم ومعالم تبدأ من وجود الأنا المحسوس؛ فهي تتساءل في حيرة:
موجةُ بحرْ.. يا انا
أم شَفقٌ مسفوحُ اللونِ.
وغيمه سر
في هذا التساؤل جمعت بين مفردات المضطرب المتحرك في عالم الأرض (موجة بحر) وبين (الشفق المسفوح اللون) وبين العلو إلى (غيمة سر) يعلو بعلو تلك الغيمة بتنكير كلمة (سر) ووراء السر أسرار.
كما أن في: (ظلٌ للأيامِ الكسْلى ( من وهم فالظل ليس هو الشيء والظل يمشي ثقيلا هنا كالأيام، ولن يستقيم الظل والعود أعوج.
وكذلك تأثر القدمين الذين يرمزان إلى أسفل الإنسان (حافيه تتهاوى فى سفح الحرش) فكيف يمشي حافيا على هذا النبات الخشن؟!
ولا تنس شاعرتنا أنها شامخة بطبعها سامقة نافعة تشعر بعظمة الأنا من لحظة كن؛ وذلك في (تيه نخله)
موجةُ بحرْ.. يا انا
أم شَفقٌ مسفوحُ اللونِ.
وغيمه سر
أم ظلٌ للأيامِ الكسْلى..
حافيه تتهاوى فى سفح الحرش
وتيه نخله
وتذهب الشاعرة إلى الإحساس الأول في عالم الذر عندما خلق الله أرواح الخلق قبل أن يخلق الطينة البشرية، حيث تقول:
رزنامة عمري
تهمسُ: حين اتيت
نذرتنى الريح لعصراخر
فانعقدت سنبله مثقله بالحب
حين فلَقْتَ الحبةَ…
شوهِدْتُ مُعلَّقه بركامِ الغيمْ…
تأرجحتْ المضغةُ
اختلَجَتْ وهبطتُ..
وبعد فعل الريح وحملها إلى عصر غير عصرها وما في ذلك من شعور أولي بالغربة، وكذلك الرمزية بين حمل الريح اللقاح، وحمل النطفة والمضغة، كان لا بد من الهبوط إلى الواقع الذي يشبه (عودة الوصل) في المصطلح الصوفي، لإرضاء عالم الخلق:
لكنّي – كي أرضي ناموس الخَلْقِ
هَجَعْتُ بقمطي وتعمدّتُ بماء الصبرِ
وكمنْتُ بكهفي
بعد الألفِ من الهجعةِ
جاءتني كاهنةُ العصرِ تفكُّ قماطي
تنفخُ في ريشي
كيما ألحقَ بوهم جانحِ نحو السفحْ
كيما أبدأ هجرتي المنذورة

كما أنها تذكر لنا حقيقة الزمن الخارج عن المحدود بعقارب الساعات، والظل والشروق والغروب؛ إنه الزمن الاول الممتد دون أمس غابر أو ماض للأحداث ساتر، وتصب في وعينا لحظات الأنس القدسي ـ كما حدث في رحلة المعراج ـ حين توقف الزمن ولكل روح معراجها، وكما ذكر العارفون جعل الله لنبيه ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ـ الإسراء والمعراج روحا وجسدا، وللمؤمنين المعراج روحا.

نعم هنا يتوقف الزمن؛ فيعيش الإنسان خارج حساب الأمس واليوم والغد كما ألمحت الشاعرة (خارج ميناء الساعة)
منذُ اليوم الأول للهجرةِ
لا عُمْرَ لى
لا أمسَ لى
مذ كان البدءُ
شعشعَ أولُ حرْفٍ من كلماتِ اللغةِ الأولى
صِرْت خارجَ ميناءِ الساعةِ
واللغة الأولى أسكرت جميع الأرواح يوم: {ألست بربكم} ولا زال أثر هذا السكر المباح تهيم به الأرواح؛ فتهتز لها الأشباح، إنها المنازل الأولى، كما أشار أحد العارفين:
فحيّ على جنات عدنٍ فإنها =  منازلك الأولى وفيها المخيم
طير حائم في دائرةِ السكر
انقرُ بلّورَ الكأسِ الطافحِ بالتسنيمْ
لا أرضَ لى.
مُذْ جاوزت خطْ البرزخ وولِجْت للمدار
الأسنى
لا جُرمَ لى ولا فلك
منذُ انعقدَ السرُّ وتاهتْ حبّاتُ الوقتْ
ونشعر بها وهي تقرأ شريط قدرها؛ فهي لا تتصرف مع تصاريف الأقدار المبكرة، إلا من خلال التعامل البناء بعد النضج الفكري، ووجود (الأنا المختارة) بعد (الأنا المحتارة) وتمر بعالم الإنسان وما تعبد به منذ البشرية، وما للآلهة في وعي الإنسان منذ أقماط، أو (لفة) طفولته مرورا، وأحسنت إذ لم تذكر التمائم المرتبطة بذلك العالم؛ فحراسة القدر فيها ما يغني، ومن وعي وقرأ في عالم الذر رأى العجائب، واكتفى بما رأى.
ـ ومن عالم الأمر (لحظة كن) تعود بنا الشاعرة إلى عالم الخلق الذي يذكر بالكينونة الواقعية، وبالتالي لا بد من الحنين إلى سالف العهد، يتبعه الأنين من عالم الواقع؛ فهي في كل مساء تذهب إلى نوافذ الزمن، وما كان؛ هزا لستائره، ورجا لأقداحه، ولو هتكت ستائره، وشربت أقداحه لرأينا عجبا:
كلُّ مساء احطّ فوق نوافِذِ الزمن
واهزِّ ستائره
ارجِّ أقداحَهُ
النتيجة الحتمية تتمثل فيما تم حصاده كواقع انسلخ عن العوالم البهية إلى عالم الحرف الذي يحرقنا كثيرا بشجون وظنونه؛ إنها صناعة الآلام، ومنها تتحقق الآمال ـ إن شاء الله تعالى ـ وسبحان من أعطانا كافنا ونوننا!
تتساقطُ منه قصائد موجعةً
وأغاني محفوفةً بالشجونْ..
كلُّ مساء اعاقرُ ذكرياتى
احزمُ أمتعتي واحزانى
يقتادُني في ثمالتِهِ الى حيث لا يرجعون..
كلُّ ليلٍ مضى…,كانَ يحملُ كافي ونوني
ليجْتاز بي غرَفَ الظلمات
فيوقعُنى في يد ليله الظنون
نعم إن شاعرتنا استطاعت أن ترسم بريشة (لحظة كن) ما ذهب بنا إلى حيث كنا، وتبقى لنا ذكريات الحنين إلى هذا العالم الممتلئ بالمفاجآت الروحية العجيبة؛ التي تجعلنا نهتف قائلين:
ومن عجبٍ أني أحن إليهمُ = وأسأل عنهم من لقيت وهممعي
وتشتاقهم عيني وهم في سوادها = ويطلبهم قلبي وهم بين أضلعي
شكرا جزيلا لشاعرتنا الطائرة دائما الشيخة أسماء القاسمي، ولما طوفت به أرواحنا وشنفت به آذاننا، وأرهفت به وجداننا.

================= 

الدكتور/ سيد سليم 

للمزيد تابع صحيفتنا باستمرار

مقالات ذات صلة

‫55 تعليقات

  1. هذا الشعر المميز له مضمون وأسلوب ولغة تتناغم مع الوزن والقافية التي جعلت من القصيدة إبداعية

  2. نلاحظ في هذا الشعر استخدام اللُّغة العربيّة الفُصحى البسيطة ذات المعاني الواضحة، وهذا جعل منها قصيدة مميزة

  3. القصيدة ذات أبيات متسلسلة ومتحدة في التعبير عن موضوعها جعلني أشعر بالحس الأدبي لديك وتفوق الصياغة دمت وننتظر هذا الإبداع باستمرار

  4. رأيت في هذا الشعر القدرة الإبداعية اللغوية الخلاقة تتجاوز حدود التقليدية في التعبير جميل جدًا

  5. قرأت الأبيات مرتين وكل مرة أجد أنها ذات مستوى فنّي رائع قد يتفوق على كثير من القصائد التي قرأتها من قبل

  6. بصفته الرسام البارع الذي يستطيع أن يخلق بكلماته المناظر الخلابة، والتعبير الجميلة كذلك كان شعرك

  7. مدهشة جداً الأبيات وتوظيف الكلمات وأدوات الشعر من موسيقى وقافية لخدمة هذا النص الذي يسلب القلوب والمشاعر

  8. الشعر الذي يأخذنا نحو الخيال والصور الإبداعية لابد أن نبحث عنه ونسجل الأعجاب به وهذا مافعلته هذه القصيدة

  9. كلماتك أخذت بمجامع القلوب وفعلت الأعاجيب في ماقرأته من صور شعرية مجردة أو خيالية لله درك واستمر نحن الفانز و جمهورك

  10. قصيدة فيها الجرس الموسيقي العذب و الصور الشعرية التي تعمق التأثير بالفكرة التي طرحتها في الأبيات

  11. أحسست أنك في الأبيات تتحدث عن مشاعر حقيقية وليست مثل مايقولون الشعر لا يعبر عن كاتبه

  12. مدري ماذا اقول عن هذه الابيات الجميلة بالخيال والصور والمعبرة بنغم واحاسيس تفوق الوصف

  13. ياسلام ياجمال يااحلى قصيد قرأته ومشاعري تفاعلت معه نتمنى نقرأ لك أكثر وأكثر مثل هذا الإبداع

  14. استخدام اللُّغة العربيّة الفُصحى البسيطة ذات المعاني الواضحة، وهذا جعل منها قصيدة مميزة

  15. الشعر القدرة الإبداعية اللغوية الخلاقة تتجاوز حدود التقليدية في التعبير جميل جدًا

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى