إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

شهريار.. (الحلقة 22) الأخيرة

وهنا انتهت حكاية شهريار وشهرزاد، وقد جاءت في عدد 22 حلقة، يمكنك الاطلاع عليها من الروابط التالية: 

الحلقة الأولى اضغط هنا

 

الحلقة الثانية اضغط هنا

 

الحلقة الثالثة اضغط هنا

 

الحلقة الرابعة اضغط هنا

 

الحلقة الخامسة اضغط هنا

 

الحلقة السادسة اضغط هنا

 

الحلقة السابعة اضغط هنا

 

الحلقة الثامنة اضغط هنا

 

  الحلقة التاسعة اضغط هنا

 

  الحلقة العاشرة اضغط هنا

 

  الحلقة الحادية عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة الثانية عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة الثالثة عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة الرابعة عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة الخامسة عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة السادسة عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة السابعة عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة الثامنة عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة التاسعة عشرة اضغط هنا

 

  الحلقة العشرون اضغط هنا

 

  الحلقة الواحدة والعشرون اضغط هنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في ضحى اليوم التالي وردني اتصال هاتفيٌ من قبل مسؤول العلاقات العامة بمكتب السيد الوالي يبلغني فيه أنَّ سيادته يريد مقابلتي ومقابلة صديقي فايز ظهر اليوم بعد انتهاء الدوام الرسمي.

خرجت من عملي قبيل انتهاء الدوام بنصف ساعةٍ بحجة أنَّ السائق الذي يوصل ابني من وإلى المدرسة مريضٌ اليوم، وأنني مضطرٌ لإحضاره. حدثت نفسي: “ومن يكذب يسهل عليه الكذب، أسأل الله ألَّا ينطبق عليَّ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: “……. وإِيَّاكُمْ والْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا”.

وما إن أشارت عقارب الساعة إلى الساعة الثانية والنصف، حتى كنت وأبو محمد داخلين مكتب الوالي الذي رحب بنا أجمل ما يكون الترحيب. وبدَّد بابتساماته العريضة كثيرًا من قلقنا وتوترنا.

وقال لنا: “اطلعت صباح اليوم على تقرير اللجنة، واجتمعت ببعض أعضائها، ولا أكتمكم، فاللجنة منهم مصدقٌ بأنَّ ضيفيكما هما شهريار وشهرزاد فعلًا، ومنهم مكذبٌ، ولكلٍّ من الفريقين أدلته وقناعاته ومبرراته المنطقيَّة”.

قاطعته لا شعوريًّا:

– وأنت سيدي الوالي.. ماذا ترى؟

ضحك وأجاب: “لا أدري يا ولدي”.

وأضاف متحسرًا:

– “إن كنت تدري فتلك مصيبةٌ، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم”!

وهنا قال له فايز:

– الله لا يجيب المصائب سيدي. مثلك لها، ولأكبر منها. الله يحفظك.

شكَّره وقال:

– استشرت الجهات العليا التي نتبع لها إداريًّا، ووجهوني باتخاذ ما أراه مناسبًا. تركوا لي مشكورين حريَّة التصرف في الأمر. غير أنَّهم أكدوا عليَّ ضرورة أن يبقى أمر الضيفين سرًا حتى تعدي جائحة كورونا على خيرٍ إن شاء الله تعالى.

وماذا قررت سيدي؟

سألته بفضولٍ ملحوظٍ ولهفةٍ غير خافيةٍ.

– لا أكتمكما سرًا. اجتمعت باثنين من كبار المستشارين عندي، وممن أثق في رجاحة عقليهما، وصدق نصحهما، وبالغ حكمتهما، واطلعتهما على التقرير كاملًا، وطلبت رأيهما، واتفقا الاثنان على أن نتعامل مع الحالة على أنَّها حقيقةً؛ وأنَّ هذين الشخصين هما شهرزاد وشهريار بشحميهما ولحمهما حتى وإن كانا ليسا كذلك!

– كيف؟ حفظك الله

– أقنعاني بأنَّ عدم وجود مصلحة معيَّنة متحقَّقة لكما ولضيفيكما ترجحان فرضية أنَّهما فعلًا شهرزاد وشهريار. وبأنّكما وضيفيكما تقولان الحقيقة على الأغلب والأرجح، إذ لا مصلحة لكم من الكذب.

وأضاف مسترسلًا:

– ومن مصلحة الولاية سياحيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا استثمار هذه الفرضيّة بذكاءٍ وحرصٍ بحيث لا تتورط الولاية بشكلٍ مباشرٍ أمام الناس والإعلام في أنَّها من أقرَّ وقرَّر بأنَّهما فعلًا شهرزاد وشهريار، وفي الوقت نفسه لم تقل بأنَّهما ليسا كذلك؟

– وكيف يتم ذلك سيدي؟

– سأل فايز.

– – يتم بعون الله بأسلوبٍ يظهر أنَّ الولاية لم تقل بأنَّهما فعلًا شهرزاد وشهريار، وفي المقابل لم تقل خلاف ذلك. أيَّ أنَّ الولاية باعتبارها جهةً حكوميّةً رسميّةً ليس لها علاقة بالحكاية، وهذا ما يجنبها الاحراج فيما لو تبين لاحقًا أنَّهما محتالين أو نحوٍ من ذلك.

– كلامٌ جميلٌ. أفهم من هذا أنَّنا ورطنا الولاية معنا في أمرهما.

– قلتها ضاحكًا. وردَّ عليَّ الوالي:

– – جدًا أبا ناصر. والله المستعان.

– وما هي الخطوات القادمة سيدي الوالي حيالهما؟

– سأل فايز.

– – قررنا استخراج بطاقتي هويّةٍ مؤقتةٍ لهما باسمين مستعارين، عليهما صورتيهما. ولدينا الصورتان ضمن عدّة صور التقطهما لهما أمس أحد أعضاء اللجنة، كما قررنا استضافتهما على نفقة الولاية في شقَّة سكنيّة VIP تابعةٍ لفندق الورود، وتوفير سائقٍ خاصٍ لهما بسيارةٍ فاخرةٍ يكون تحت تصرفهما للتجول والتنقل في حدود الوقت المتاح خارج أوقات الحظر، ومعهما بطاقتي هويتيهما المؤقتتين المختومتين بختم الولاية، والمنصوص فيهما على أنَّهما من ضيوف الولاية.

سعدنا كثيرًا بكلام الوالي، ومن فرحتي قلت لسيادته مازحًا:

– ليتني كنت شهريار أو شهرزاد!

– ضحك الوالي، وضحك فايز أيضًا. بعدها سألته:

– – وما المطلوب منا الآن؟

– المطلوب منكما أن تأخذا البطاقتين ومعهما خطابٌ من مدير مكتبي. وتوصلان الضيفين إلى مقر إقامتهما الجديد. وفي ملحق تلك الشقّة سيكون السائق متواجدًا تحت طلبهما في أيِّ وقتٍ بسيارته. ولقد وَجَّهْنَا الفندق بتقديم الوجبات والمشروبات وخدمات الإقامة والاتصال وغسيل الملابس وما شابه ذلك على حساب الولاية.

– – جميلٌ سيدي الوالي. وماذا بعد؟

سأل فايز:

– أهم شيءٍ التأكيد على ضيفيكما بعدم التحدث والتواصل مع أحدٍ إلا للضرورة، وعدم إخبار أحدٍ عن شخصيتهما الحقيقتين، والقول -فيما لو لزم الأمر- بأنَّهما ضيفي الوالي، ولا يقدمان نفسيهما إلا بالاسمين المُدَوَنَيْنِ على البطاقتين المؤقتتين لهما.

– وأضاف الوالي:

– – بلغوهما سلامي وتحياتي وترحابي البالغ بهما، واعتذرا منهما عن هذه الإجراءات التي قد لا تروق لهما، وأفهماهما اضطرارانا لذلك.

سألت:

– وماذا لو رغبا في العودة لكوكبهما سيدي الكريم؟

– – ليس من حقنا منعهما. حاولا إقناعهما بالبقاء بيننا، لأنَّنا نريد استثمار وجودهما في ولايتنا، وأول استثمار فكرنا فيه هو مشاركتهما في مهرجان المركز الثقافي، والذي سنقيمه -إن شاء الله تعالى- بمجرد انقشاع هذه الغمَّة؛ جائحة كورونا. وبعد ذلك لدينا أفكارٌ كثيرةٌ في استثمار وجودهما إعلاميًّا واقتصاديًّا وسياحيًّا. وأنا بصدد تشكيل لجنةٍ عصفٍ ذهني لهذا الغرض.

شَكَرَنَا الوالي كثيرًا، وأخبرنا أنَّه عن طريق مدير مكتبه أبا حازم سيبقى على تواصلٍ مستمرٍ معنا، وقال لنا:

– فاتني أن أقول لكما.. أيَّ مصاريف أو نثريات دفعتموهما مسبقًا، أو ستدفعانها لاحقًا تخص شهريار وشهرزاد، فأحضرا لمدير مكتبي الفواتير والإيصالات، وستسدد الولاية تلك المصاريف.

– – جزاك الله خيرًا سيدي الوالي. لقد أكرمتهما، وأكرمتنا أيضًا بإكرامك لهما.

– الشكر لله أولًّا ثمَّ لكما. إننا نقدر لكما كلَّ جهودكما. غادرنا البوابة وفي حوزتنا خطابٌ لمدير فندق الورود بالإضافة إلى بطاقتين مزدانتين بصورتي (شهرزاد، وشهريار.).

*************

مرَّت الأيام، وتتابعت الليالي. ثلاثة أشهرٍ بالتمام والكمال، وضيفيَّ الكبيرين ينعمان في ضيافةِ الوالي. كلُّ ما يطلبانه متحققٌ. وأنا وفايز نمرُ عليهما بين الحين والآخر؛ نؤنسهما، ويؤنساننا، ونأخذهما أحيانًا في مشاوير للنزهة والتسوق في الوقت الذي يسمح فيه بالتجوال. وقد تحدثت وفايز بإسهابٍ معهما عن حكاياتهما، وأطلعناهما على كثيرٍ ممَّا كتب ورُوِي وقيل عنهما. وأريناهما مسلسلاتٍ وأفلامٍ مُثِلَتْ عنهما. وذكرا لنا ضاحكين أنَّ كثيرًا مما سمعاه وقرآه وشاهداه عنهما ليس بصحيحٍ البتّة، وأنَّه من صنع الحكواتية والروَّاة، ومن خيالات الفنانين ليس إلاّ. وذكرا لنا كذلك أنَّ التاريخ لم ينصفهما، وأقسم بالله شهريار بأنَّه لم يقتل إلّا ثلاث سيداتٍ فقط ثبتت عليهنَّ الخيانة الزوجيّة مع إقرارهنَّ واعترافهنَّ الكامل بها، ورغبتهنَّ في التوبة النصوح وتطهير نفوسهنَّ، وزاد على ذلك القول بأنَّه لم يقتلهنَّ إلَّا بعد أن أصدر قاضي القضاة في عصره حكمه الشرعي فيهنَّ وفق الشريعة الإسلاميّة. وأضاف شهريار بأنَّه راجت في مملكته شائعة أنَّه يقتل كلَّ امرأة تخون زوجها، وأنَّه علم بتلك الشائعة، فتعمد الإبقاء على شيوعها وذيوعها بناءً على مشورةٍ من أحد وزرائه. وذكرت لنا شهرزاد بأنَّ حكاياتها لم تكن ألفَ حكايةٍ وحكايةٍ، بل مئة حكايةٍ فقط، وأنَّهما منذ الليلة السابعة وقع كلًّا منهما في حبِّ الآخر وعشقه، وأنَّها لم تكن تخشى من أن يقتلها في أيِّ لحظةٍ من اللحظات. وفاجأتنا بالقول بأن حكاياتها لشهريار لم تكن من أجل إشغاله عن قتلها كما شاع وراج، بل لإمتاعه ومؤانسته وإسعاده، ومعالجته ذهنيًّا ونفسيًّا بعد اعتلاله من خيانة زوجته الأولى له. وأدهشتنا بقولها أنَّ حكماء/ أطباء الإغريق واليونان كانوا يعالجون مرضاهم بسرد القصص والحكايات، كما كانوا ينصحونهم بحضور المسرحيات بأنواعها المختلفة، التي كانت تقام بشكلٍ شبه يوميٍّ على مسارحهم الرومانيّة، وبالمشاركة فيها -إن تسن لهم ذلك-، وعندما قالت شهرزاد لنا ذلك تذكرت بأنّي قرأت وسمعت للممثل والمسرحي الدكتور راشد الشمراني كلامًا يقول فيه بأنَّ في الفن عمومًا، وفي الدراما بشكل خاصٍ علاجٌ وشفاءٌ بأمر الله تعالى، وتكمن فعالية ذلك العلاج في مساعدة الشخص على تفريغ مشاعره وانفعالاته، والبقاء في حالةٍ من الاتزان النفسي أو هكذا فهمت.

أجابني شهريار عن سؤالي المحير الذي استدعيته من أجله، وكدت أن أنساه تمامًا الآن وهو: “لماذا اكتفيت بدور الصامت طيلة الليالي الألف وليلة، وتركت شهرزاد تحكي وتحكي وتحكي؟ ألم تمل؟

فقال لي: ” … ومن قال لك أنَّني كنت صامتًا. ذلك لم يحدث قط، وليس بصحيحٍ إطلاقًا، بل العكس فقد كنت أناقشها، وأخذ وأعطي معها في مضامين ومعاني ومغازي كلَّ حكايةٍ من الحكايات”!

ومن جوابه هذه استشفيت أن كثيرًا من الأسئلة الملحَّة التي تعصف بأذهان الناس، ويرغبون في معرفة إجاباتٍ لها، تكون إجاباتها من البساطة والسطحيّة -وإن شئت فقل السذاجة- التي لا تتوازى وهَمُّ التفكير فيها.. فيا ليت قومي يعلمون!.

صرَّة الذهب أعدتها لشهريار، لكنَّه أقسم بالله ألَّا يأخذها،، قَسَمْتُ محتواها مناصفةً بيني وبين صديقي أبا محمد، غير أنَّه الآخر أصرَّ ألَّا يأخذ منها شيئًا. منحتها ذات ليلةٍ لأمِّ ناصر، وقلت لها: “هي عليك حلالٌ”، عندها نسيت أو تناست غضبها وسخطها وغيرتها من ذهابي كل يومٍ أو يومين برفقة فايز إلى الشقّة/ المنتجع الذي يقيم به شهريار وشهرزاد.

رُفِعَ الحظر، وخَلَى البلد بفضل الله من جائحة كورونا، وتحدَّد موعد إقامة مهرجان: “الحكاية الشعبية وتأثير حكايات ألف ليلةٍ وليلةٍ في الأدب السرديِّ المعاصر”.

وقبيل الموعد بأسبوعٍ وافق السيد الوالي على تزويد الصحف ووكالات الأنباء ووسائل الإعلام المختلفة بوجود (شهريار، وشهرزاد) حقيقة في مدينتنا، وأنَّهما سيكونان ضيفي المهرجان، وسيتحدثان عن حكاياتهما، ويجيبان على أسئلة واستفسارات ومداخلات المشاركين والحضور.

ذاع الخبر وانتشر انتشار النَّار في الهشيم، وتناقلته وكالات الأنباء العربيّة والعالمية والفضائيات المختلفة بسائر اللغات، وأصبح المنشور الأول في الفيس بوك، والترند الأكثر رواجًا في تويتر، والرسالة الأكثر تمريرًا في قروبات الواتس آب، ونفس الأمر يقال أيضًا عن السناب شات، والتليجرام، والإنستغرام، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي.

انقسم الناس بين مكذّبٍ ومصدّقٍ. اندفع جمٌّ غفيرٌ -رجالٌ ونساءٌ- من الإعلاميين والمثقفين والأدباء ورجال الأعمال، وسيدات التجارة، وكذلك من (اليوتيوبر) ومن مشاهير (السوشيال ميديا)، وأناسٌ عاديون من داخل الولاية، وكثيرون أتوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ إلى المركز الثقافي يسألون جميعهم عن (شهريار وشهرزاد)، أين هما؟ وكيف أتيا؟ ونحوهما من الأسئلة.

لم يخبر منسوبي المركز الثقافي أحدًا بأيّة تفاصيل؛ ولم يعطوا أِّي تصريح بشأنهما لأي جهة إعلامية أو غيرها بناءً على توجيه السيد الوالي، وطلبوا من الجميع الانتظار حتى موعد بدء المهرجان.

وفي وقتٍ لاحقٍ، أعلن المركز الثقافي للعموم عن اضطراره لإغلاق بوابته تلافيًا لازدحام الناس حول المبنى، كما أصدر بيانًا أشار فيه إلى أن إدارة المركز بتوجيه من سيادة الوالي اضطرت إلى استئجار أكبر قصر أفراحٍ بالمدينة لإقامة فعاليات المهرجان به، لأنَّ قاعة محاضرات المركز لا تتسع إلّا لمائتي شخص فقط.

زُوِدَتْ قاعات ذلك القصر المختلفة بدوائر تلفزيونيةٍ تسمح لأكبر عددٍ من الناس بالمشاهدة ممن لا يجدون لهم مكانًا في القاعة الرئيسة.

في يوم بدء المهرجان، أُدْخِل الضيفان من بابٍ جانبيٍّ، ومن نفس الباب سمح رجال الأمن والمنظمين فقط لفايز ولأخيه الكبير، ولي وكذلك لزوجتي أم ناصر بالدخول. وكان السيد الوالي، ومعه رئيس المركز في استقبالهما، ورحبا بهما أجمل ترحيب.

كانت شهرزاد متجليةً في حسنها وبهائها، بعد أن أخذت كامل زينتها من ملابس وإكسسورات، كانت مرتديةً حجابًا شفافًا على رأسها، بينما تركت وجهها الصبوح متجليًّا للعيَّان.

بدأ رئيس المركز كلمته، وبينما هو يرحب بالسيد الوالي، وبالضيفين الكبيرين، وإذا بصوتٍ من الخلف يصيح: “الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر”، وقام أحدهم يقاطع رئيس المركز صائحًا به:

“اتق الله يا رجل.. أخرج هذه المرأة (ويشير بيده إلى شهرزاد)؛ لقد فتنت عباد الله بتبرجها هذا، وما إن أتمَّ كلامه، حتى قام آخر يقول لشهرزاد بصوتٍ عالٍ وساخطٍ: “اتقِ الله يا أمَة الله. لقد أذيت وأذيت”.

ضجت المقاعد الخلفيّة في القاعة المكشوفة بالتكبير والتهليل، ودَبِّت الفوضى، وساد الارتباك، انقسمت الجموع الحاضرة بين مؤيدٍ لكلام طلبة العلم/ المطاوعة، ومعارضين لهم، وبدا وكأن الفريقين على وشك أن يضرب بعضهم بعضًا.

حاول الوالي تهدئة الموقف المتأزم، غير أنَّ أحدًا لم يتمكن من سماع كلامه الحكيم، رغم أنَّه يتحدث من خلال لاقط صوتٍ حساسٍ.

تحول النقاش الفظ والجدل العقيم الذي لم يكن متوقعًا إلى اشتباكٍ وعراكٍ بالأيدي.

رمى أحد طلبة العلم -كما يسمون أنفسهم- ببشته/ عباءته على شهرزاد صائحًا بها: “تغطي يا مره”، نظرت إليه بحيرةٍ وذهولٍ؛ لم تفهم ما كان يريده منها.

تدخل رجال الأمن، يحاولون إبعاد (شهرزاد، وشهريار) عن الجموع الثائرة والغاضبة من وجودهما، وبعضهم مكذبٌ لحكاية أنَّهما فعلًا (شهريار، وشهرزاد).

وفي هذه اللحظات العصيبة، كنت أرى ملامح الهلع والفزع والحيرة على وجهيِّ الضيفين، تذكرت لحظتها حديثًا صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

“خَرَجَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لِيُخْبِرَنَا بلَيْلَةِ القَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وعَسَى أنْ يَكونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ، والسَّابِعَةِ، والخَامِسة”.

وفجأةً سمع الجميع صوتًا من الأعلى كأنَّه صوت طائرةٍ نفاثةٍ اخترقت حاجز الصوت؛ رفع الجميع أنظارهم إلى الأعلى باتجاه الصوت، كان يصدر من جسمٍ أشبه ما يكون بطائرةٍ مروحيّةٍ (هليوكوبتر) تقترب شيئًا فشيئًا من القاعة، وما هي إلا لحظاتٍ حتى حطَّت في طرفٍ قصيٍّ منها، ترجل منها أربعةُ رجالٍ وسيدتان يرتدون ملابس عسكريّةٍ زرقاء اللون، استطعت بصعوبةٍ أن أتعرف من بينهم على المارد الذي أتى لي بشهريار، وفيما بعد بشهرزاد، اتجهوا فورًا إلى مقدمة القاعة. تحدثوا سريعًا بلغةٍ غير مفهومةٍ -بالنسبة لنا- مع شهريار وشهرزاد، وانطلقا بهما نحو تلك المروحيّة -إن صحَّ الوصف- تبعتهما ومعي فايز. ساعد الرجال الأربعة والسيدتان (شهريار، وشهرزاد) في الصعود إلى المروحيّة. كان شهرزاد يمد يده إليَّ يريد سحبها لألحق بهما، وبالمثل كانت تفعل شهرزاد مع فايز.

تملكتني رغبةٌ في مرافقتهما، ولكنِّي رأيت يد زوجتي أم ناصر وابني ناصر يشيران إليِّ بأيديهما ألَّا أفعل، والدموع تملأ أَمْآقٌهم، فايز هو الآخر كان أخوه الكبير هناك يمد إليه يده يريد جذبه إليه لكيلا يذهب معهما.

وفي أثناء قهقهتي هذه، استيقظت فزعًا على صوت أم ناصر وهي توقظني قائلةً “بسم الله عليك.. ما بك؟ كُنْتَ تضحكُ بصوتٍ غريبٍ. يا الله.. قُمْ، سمِّ الله، وتَوَضَّأ وصَلِّ الفجر، إنَّه يُؤَذِنُ الآن”.

أرهفت سمعي.. تنامى إلي أذنيَّ صوت مؤذن المسجد المجاور يردد: “صلوا في رحالكم”!

————————————————————-

تابعوا تفاصيل ونتائج مسابقة الأديب خلف القرشي (القارئ يضع النهاية).. غدًا بإذن الله تعالى.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

الكاتب والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان_القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

ايميل:  qkhalaf2@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

مقالات ذات صلة

‫43 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى