إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

وعي الذات

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد،،،

يسعى الإنسان منذ بدايته، سعيًا يستهلك معه جميع طاقته (حسب ظنه) وراء تحقيق أهدافه وغاياته، وهذا انسجام تام مع ما فُطِرَ عليه وطبيعته، فالمولود يبكي ليحصل على الحليب، والصغير يُلِحُّ على والده حتى يُجيب، والشاب يستنفر ليُطفىء ما يجِدُهُ من لهيب، أما الكبير فيصنع الأعاجيب هربًا مما يُسمّيه شبح المشيب.

وبطبيعة الحال فإنَّ الثقة والسعادة والطمأنينة والراحة وراء ذلك هي المقصورات، ولأجلها وفي سبيلها يرخُصُ الثمين ويهون بذلُ المجهودات.

كل ما سبق ينسجم تمامًا مع السُنَنِ الكونية، والفِطرِ السوية، وطبائع النفس البشرية. إلا إنه عند إجراء استطلاعٍ يسير، ليس على القليل من الناس بل على أكثر الكثير، فإنك تجد أكثرُهم لم يُحقِقُوا من تلك الأهداف والغايات سوى أقل ما يمكن أن يصير، حينها تُصابُ بدهشة يخوُنُكَ معها التعبير.

وعند إعادة النظر والتأمّل في أسباب تحقيقها تجِدُها تكادُ تكتمل، فتُصابُ بِحيرَة لا تدري معها ماذا تفعل، وقتها لا تَجِدُ غير أن تسعى وتسأل.

ثم بعد العديد من التساؤلات، تكتشِفُ سِرًّا في الإجابات، وهو اتفاقها في مستوى تدني الوعي بالذات، واختلافها فيما وراء ذلك من المسببات، أحدهم يرميها على القدر والقضاء، وآخر يستوحي أنها ابتلاء، وثالث يحُجكَ أنه ليس من الأنبياء، أما الرابع فإيمانه بمحدودية قدراته كإيمانه بأسماء الله وصفاته، وهكذا.

والحق فإن قبول تلك التعليلات، كقبول الظن مع وجود اليقينيات، ليست لأنها مستحيلات، بل لأن دافعها لا يعدو كونه مجرد تخمينات.

إن من أراد اكتشاف الحقائق لتلك الإخفاقات، ومعرفة أسباب ضياع الأهداف وخسارة الكثير من الغايات، فعليه أن يدرك تمام الإدراك أن سببها الرئيس عند غالبية الرجال وحتى عند السيدات، يعود في أحيان إلى قصور وفي أحيان إلى انعدام الوعي بالذات.

لذا فإن اشتراط الوعي بالذات لتحقيق الأهداف والغايات كاشتراط

الإخلاص في النيات لقبول النوافل والواجبات.

فالخالق -سبحانه وتعالى- خلق الخلق وجعلهم في خِلقتهم مختلفين، وفي طاقاتهم وقدراتهم وإمكاناتهم متباينين، ولو لم يتجاوز عددُهم الاثنين، أو حتى كانوا أخوين، بل حتى لو كانوا توأمين.

ومما يؤكد ذلك بيقين، تنزيل رب العالمين (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين)

إن الوعي بالذات عملية تأمل وتفكر، ودراسة فاحصة وتدبر، لاكتشاف ما مكّنة منه النفس ، و ما قد يُهدِدُها بانكسار أو تعثر، ومواصلة ليل بنهار لتحديد ما تتطلع الوصول إليه بحذاقةٍ تُبهِر. بعدها يأتي دور العمل لتكتمل صورة المرء وتزدهر.

هذه العملية ليست بتلك السهولة، بل وتستحيل على أصحاب العقول الجهولة، حتى لو كانت بخبرتها بسِنِّ الكهولة، لذا فإن تحقيقها بذاته بطولة؛ فتحقيقها يعني أنّ صاحبها قد فهِم ما يلزمه فِعله في كل عامٍ ويوم، وأنه على أُهبة الاستعداد لتحمُّلِ طول الطريق وما قد يواجِهُهُ من ألم.

فلسان حاله: وما تحمُلُ الألم مقابل تحقُقِ الحُلُم.

والحمد لله رب العالمين.

بقلم/ زياد بن عبد اللطيف الفوزان

مقالات ذات صلة

‫54 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى