تاريخ ومعــالممتاحف وأثار

قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده

قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده –قلعة موسى هي قلعة تقع بين دير القمر وبيت الدين في لبنان.
وقد بناها موسى عبد الكريم المعماري بمفرده (ولد في 27 يوليو 1931)، حيث عمل طول حياته. وقد احتاج إلى 60 سنة (21900 يوما و394200 ساعة) من العمل. وفقا لسيرته الذاتية، كان موسى طالباً عندما حلم ببناء هذا القصر،وقد رسم حلمه على قطعة من الورق في الصف. لم يكن موسى جاداً في دراسته، حتى أن استاذه اعتاد على السخرية منه قائلًا له: “أنت لن تحقق شيئا”.
على ربوة عالية في منطقة الشوف جنوب لبنان، تشاهد أحجارا متراصة بعضها بجوار بعض منقوشة برسومات لأشخاص وحيوانات تحتضن بداخلها مجسمات شمعية تروي لنا حكايات عن قصة المبنى وحياة المجتمع اللبناني.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

قلعة موسى «المعماري» هذا المبنى المعروف بـ”قلعة موسى” شُيد بإصرار صاحبه منذ 74 عاما ليصبح رمزا للبنانيين وأيقونة جذب سياحي للزائرين.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

كيف بدأ موسى مسيرة بناء القصر؟ يجيب زياد:” لم تبادل فتاة غنية حب والدي لها بحجة أنه فقير. كان يراها وهو في طريقه الى المدرسة وهو لم يتعد في حينها الـ 15 ربيعاً. صارحته بكلام أوضح مشيرة الى أنها تتوق الى الزواج من رجل يملك قصراً”. هكذا، تطور حلم بناء القلعة –القصر في مخيلة موسى، والذي وفقاً لزياد، كان لا يلتزم بتوجهات معلم الرسم في المدرسة، دأب الى رسم معالم القصر بدلاً من رسم عصفور كما طلب منهم المعلم مثلاً، ما كان يسبب له بتوبيخ شديد اللهجة او ضرب قاس أمام رفاقه من معلم المدرسة”.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

قرر موسى ترك المدرسة في 9/5/1945، وبدأ بشق طريقه الصعبة نحو بناء حلمه القصر. تنقل، وفقاً لزياد، “بمهن عدة منها لجمع المال ومنها بمساعدة عمه، الذي كان يعمل مع فريق من مديرية الآثار في قلعة الحصن وصولاً الى مشاركته مع الفريق ذاته في ترميم المتحف الوطني في بيروت. قال:” اكتشف عمه شغفه للفن وطموحه اللا متناهي. موسى كان يطمح لجمع المال لذلك كان يعمل على مدار النهار من دون ملل. كان يعمل مع نسيبه في النهار ويكمل بدوام آخر في معمل فولاذ قرب قصر بيت الدين”.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

حلم يتحقق قلعة موسى «المعماري» 

لم يدرِ بخلد أحد من المحيطين بموسى أن الرسمة التي صنعها وهو طفل، ستتحول في يوم من الأيام إلى حقيقة. من طرطوس السورية حيث كانت مدرسته، انتقل موسى إلى مدينة صيدا جنوب لبنان للعيش مع عمه عيسى المعماري عام 1945 دون أن تدري أسرته قرار تركه للدراسة. وكانت قلعة صيدا البحرية هي بداية طريق موسى في المعمار ليساعد عمه في ترميم القلعة.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

وفي عام 1949 حصل موسى على خبرة كبيرة في ترميم المناطق الأثرية، ليكلفه الأمير موريس شهاب المسؤول عن ترميم المناطق الأثرية، بمهمة ترميم قصر بيت الدين وقصر أمير جبل لبنان والمتحف الوطني، وعُين مسؤولا عن الاكتشافات في بلدية بيروت.
من هنا بدأت ترتسم ملامح الحياة بجمعه أموالا تقدر بـ15 ألف ليرة لبنانية في 18 سنة وشراء قطعة أرض، متذكرا عبارة والدته الداعمة له دائما: “يا رب اجعل التراب بين يدي موسى ذهبا”.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

تزوج موسى من “ماري” ابنة قائم مقام منطقة “دير القمر”، وفي عام 1963 بدأ موسى وزوجته في مراحل التشييد الأولى للقلعة، لتتحول رسمته الممزقة إلى حقيقة بعد 70 عاما من العمل في المعمار.
قلعة موسى بنحو 6540 حجرا ضخما، بنى موسى قلعته على مساحة 3500 متر مربع، وحرص على نحت أحجارها بنفسه بأشكال تظل علامة مميزة في معمارها. وعلى الرغم من مرور السنوات، لم يغِب عن بال موسى سخرية الآخرين من حلمه القديم، تاركا رسالة في تصميم القلعة لكل من محبوبته القديمة ومعلمه.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

صُمم أحد أبواب القلعة بارتفاع منخفض، ليجبر محبوبته ومعلمه على الانحناء عند زيارة القلعة، كما صمم مجسما لمشهد ضرب المعلم له، بتصميم الفصل والتلاميذ جالسين بجواره والمدرس يضربه بالعصا.
لم يمهل القدر موسى أن يدعو معلمه لزيارة القلعة ومشاهدة كيف تحولت الرسمة الممزقة إلى حقيقة، بينما زارت محبوبته “سيدة” القلعة ودخلت بانحناء وكان هو وزوجته في استقبالها.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

على جدران القلعة دوّن موسى كل عبارات والدته المشجعة، وعبارته الأخيرة: “دخلنا شبابا وخرجنا شيبا”، معلقا صورا تجمعه بأسرته ومراحل تشييد القلعة وزيارات الرؤساء والشخصيات العامة في لبنان.
يلج الزائر باب القلعة على جسر خشبي متصل ببوابة رئيسية مصنوعة من الرصاص القاسي، يعود تاريخها إلى زمن المماليك والصليبيين، وقد نقش عليها صاحبها عبارة «دخلناها شبابا وخرجنا شيبا». المشاهد داخل القلعة كثيرة ولافتة. ففي الطابق الأول هناك 75 شخصية جسدها صاحبها عبر تماثيل شمعية، تضم أفراد عائلته وأقربائه وجميع الفلاحين والعمال الذين آزروه في بناء القلعة، ولقد أناط بكل شخصية حرفة، ليصبح القصر أشبه بمجتمع مكتمل الأركان.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

سراديب تمتد إلى الطابقين الثاني والثالث، حيث يستقبل الزائر في الطابق الثاني مشهد الأمراء ومشهد الوحدة الوطنية المتمثل في جلسات رجال الدين الذين يمثلون طوائف لبنان الـ18، إلى مشاهد المحاكمات التي كانت تجري في أزمنة عدة من التاريخ، ثم هناك مشاهد الينابيع وملء الجرار والعلاقة مع القمح ودرسه في البيادر على النورج… وصولا إلى المطحنة ورغيف الصاج، ثم هناك الآلات الموسيقية القديمة كالمجوز والدف والربابة والبزق والعود وغيرها. واللافت أيضا وجود مجسم لموسى وآخر لأستاذه أنور وهو ينهال عليه ضربا، بينما رفاقه يتضاحكون على مقاعد الدراسة، وكذلك جلسة الضيافة، وبالأخص، جلسة القهوة العربية.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدوليةJellyfish

وفي أحد ممرات القلعة، تطالع الزائر مقولة لموسى هي «علمتني الحياة أن هذا العالم لن يتوقف عن استمراره بعد موتي، كما أن الأرض لن تحجم عن دورانها، والشمس لن تكف عن شروقها وغروبها».
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

وفي آخر المطاف، يتربع متحف الأسلحة – الفريد من نوعه في الشرق الأوسط الذي جرى تدشينه هذا العام – ويضم نحو 32000 قطعة سلاح من مختلف العصور، لا سيما العصر العثماني وفترة الانتداب الفرنسي، فضلا عن المعادن والحجارة الثمينة والأساور والألبسة وغيرها.
قلعة موسى «المعماري» بناها صاحبها بمفرده  -صحيفة هتون الدولية

بين عامي 1951 و1962، قال انه حضَّرَ كل شيء لتحقيق مخططه بما في ذلك شراء الأراضي والمخططات وفي عام 1962، بدأ عمله الحياة وبنى القلعة بيديه مستخدماً كل من الحجارة والطين حيث وضع رسوم متحركة التي كانت تمثل مشاهد مختلفة من الحياة القرية اللبنانية القديمة في القرن 19 ،مما جعل من العمل رؤية وإبداع حقيقي بكل الوسائل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى