زوايا وأقلاممشاركات وكتابات

كنــوز خـلــف النـفــود مفتاحها بيد الرؤية

في الصحاري واحات تظل تكافح قسوة المناخ والتضاريس حتى تكتسب مع مرور الزمن ويكتسب أهلها مناعة الصمود، ويتشكل طابعها الثقافي والحضاري الخاص في حدود كيانها الشبيه بشكل أو آخر بأية حضارة زراعية مدنية كبلاد الأنهار.

بل إن سكان الواحات يمتازون على سكان الأنهار باكتساب صفات مزدوجة طرفها الأول: المجتمع الزراعي المستقر وما يمنح من قيم مشتركة تتجاوز العصبية القبلية وتقترب للحياة المدنية وإن كانت بمراحلها البدائية القابلة للتطور، وطرفها الثاني: مجتمع الصحراء والبادية الذي في تماس مستمر مع الواحة مما يكسب أهلها صفات التحمل والتمسك ببساطة العيش والاحتفاظ بالأخلاق الحميدة التي محتها سطوة المدينة الصاخبة لعدم حاجتها لها وعدم وجود مكان لها أصلاً بين أزقة المدن وطرقها الواسعة (الاستثناء لا يخل بالقاعدة) كالكرم وإغاثة الملهوف فكما قلنا مدنية الواحة لازالت وسيطة بين مرحلتين مما منحها فرصة الإمساك بميزات كل مرحلة طالما استمرت واحة.

وما يمنح المكان حدة ووضوح بين ثنائية الواحة والصحراء غضاضة الواحة وقساوة الصحراء الواسعة من حولها، ولن نجد أعمق تعبيرا من المستشرق وليم جيفورد بالجريف الذي سافر لواحة الجوف عام 1862م فوصف بلاد الجوف بالجنة وأظنه لم يبالغ لأنه قال ” كانت كما جنة الخلد التي لا يستطيع أن يدخلها أحد ما لم يكن قد مر على جسور جهنم”.

وعلينا تخيل هذا الوصف في ذلك الزمان؛ إن فيه كثير من القبول من ناحية طبيعة الجغرافيا؛ فواحة الجوف غزيرة المياه معطاءة التمر والفواكه مع خصال أهلها الحميدة التي تكسو عابر السبيل رداء التقدير وحسن الضيافة؛ هذه الجنة الدنيوية يصلها المرء في ذلك الزمان بعد أن يعبر القفار ويقطع المسافات الطوال دون أن يرى عمرانا أو شجرا أو يمر ببئر؛ على عكس بعض الواحات في وسط الجزيرة العربية حيث تقترب البلدات من بعضها فلا يكاد الشخص يشعر بالتعب والظمأ إلا وقد وصل البلدة التالية.

ومنطقة الجوف شمال المملكة العربية السعودية نموذج لمدنية الواحة الوسيطة الممسكة بميزات المستقر والمرتحل؛ ليس بالماضي فقط بل والحاضر.. اليوم.. الآن.

وقديماً زار المنطقة أحد ساكني بلاد الأنهار وشاهد مصاعب العيش فيها من متاعب سقيا الحوط وهي جمع حوطة (المزرعة القديمة داخل البلد) حيث تستخرج المياه من الآبار بطريقة السني الشاقة (يرفع الماء بالدلي “جمع دلو” التي يجرها بعير أو ثور وبمساعدة شخص وكمية الماء المستخرجة ليست وفيرة وعادة ما تحرم أشجار النخيل في أطراف الحوطة من الماء الكافي عكس مثيلاتها قرب الحوض) وقلة الطعام ومع ذلك يحرصون على إكرام الضيف حتى الشبع؛ فلما عاد لأهله قال: أنتم تزرعون وتأكلون وتكرمون الضيف من بركة هذا الماء الجاري فوق الأرض؛ إلا أني وجدت أناس “يلحون من ذرعانهم ” ويقصد كأنهم يقطعون من أجسادهم للضيف لقلة الموجود ومشقة توفيره.

وتشير الأبيات التالية للشاعر محمد طراد المعيقل رحمه الله لفكرة التضامن والتعاون الاجتماعي داخل واحة الجوف بعيداً عن الانتماءات الضيقة:

سلام يا نقوة هل الجوبة سلام

يا أهل الوفاء والمرجلة يا الطيبين

ترى المثل يضربكم شرقٍ وشام

بالطيب وإلا للمعادي كايدين

عزوا بعضكم يا عزيزين المقام

وتساعدوا في جرة الحبل المتين..

ويعشق أهل الجوف هذه القصيدة ويفتتحون فيها لعبة العرضة في مناسباتهم..

وإيمان أهل الجوف بالدولة وأن حكم القبيلة يجب أن يتوارى بعد أن أخذ العالم الجديد يتشكل عشية انتهاء الحرب العالمية الأولى وظهور عصبة الأمم المتحدة، وفي قلب الجزيرة العربية الملك عبد العزيز آخذ بتوحيد أجزاءها لتدخل العالم الجديد من أوسع أبوابه ؛ دفعهم وهم الأبعد بالجغرافيا من غيرهم لاختصار مسافة الزمن وأعلنوا رغبتهم بالانضمام للدولة السعودية الثالثة وهذا ما حدث.

فما لدى منطقة الجوف التي تختبيء خلف صحراء النفود لتقدمه لرؤية 2030؟ .. مباشرة نجيب لديها الماء والمجتمع والاقتصاد وجودة الحياة وهي من أركان الرؤية.

ولما ذُكر الماء كعنصر مستقل؟ لأن الماء في وسط الصحراء كنز والرؤية تحدثت كثيراً عن ندرة المياه والحفاظ عليها والعمل على تقليل استهلاكها، وليست بلاد الصحاري فقط من يخشى العطش؛ فهاهي بلاد النيل تعقد الاجتماعات وتقيم اللقاءات وتصعد في المواقف لأن إحداها شيدت سداً قد يؤثر سلباً في حصص بقية الدول.

الــمــاء:

منطقة الجوف من أغنى مناطق المملكة بالمياه، ولن أتحدث عن دراسات وآراء خبراء قد تتباين فيما بينها؛ بل عن حالات شخصية؛ فالتجربة خير برهان.

الحالة الأولى: لدي مزرعة بها بئر يبدأ منسوب الماء فيه من 45 متراً وعموم عمق البئر 100 متر والماء فيه وفير والحمد لله ولم يتناقص، وهذا حال الأراضي الزراعية التي تشكل حزاما حول مدينة سكاكا والريف المحيط بها، وطبيعة الأراضي تلك في غالبها طينية تحتفظ بالماء فترات طويلة بفصول الخريف والشتاء والربيع لاعتدال الطقس ومدد أقل في فصل الصيف؛ مع حرص الأهالي على السقيا بالتنقيط بما في ذلك زراعة الخضروات توفيرا وتقديرا لنعمة الماء، ولتقليل ظهور الحشائش المضرة.

وفيما يتعلق بالتربة فمنطقة خوعاء الزراعية على سبيل المثال وهي من الريف المحيط بحاضرة سكاكا تمتاز بتربة حمراء شبيهة بتربة بلاد الشام وعالية الخصوبة مع احتفاظها بالماء أكثر من غيرها وتشكل تنوعا بيئيا وتضاريسيا جميلا متلون بأربعة ألوان: جبال داكنة في الغرب ورمال صفراء في الشرق وتربة حمراء في الوسط يكسوها اللون الأخضر لتلاحم مزارعها ، وهي من المواقع الملائمة للسياحة الزراعية والإيواء.

والحالة الثانية: نستشهد بما ذكره أحد المستثمرين من المواطنين؛ فيقول: “كنت في مطعم بجوار شلال من الماء في لبنان وأبديت إعجابي بمنظر الماء المتساقط من أعلى الجبل؛ فرد علي أحد الحاضرين بأن هذا الماء يذهب لكم في السعودية ؛ فتفاجأت! سائلاً: أين؟ قال: لمنطقة الجوف حيث يستقر أسفل منها في حوض كبير”؛ ثم يواصل ابن جدة حديثه فيقول: “قررت زيارة الجوف بمجرد عودتي للمملكة”؛ وهذا ما جرى فأنشأ مصنع مياه هناك بعد أن اشترى مزرعة في أطراف مدينة سكاكا أصبحت ببئرها موقعاً للمشروع الناجح.

الـبـيـئـة:

البيئة شقيقها الماء الذي يغيب عنها فترات قد تطول؛ إلا أن حضوره المتقطع نافع جدا لهذه البيئة المتمكنة من التكيف طالما تركها الإنسان بحالها.

وسنتحدث عن البيئة بشكل عملي استجابة لمشروع ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بمبادرته “السعودية الخضراء/ الشرق الأوسط الأخضر”. فقبل سنوات في بداية افتتاح طريق حائل الجوف لاحظت أن كمية الأمطار التي تسقط على الطريق وتنساب للرمال تُنبت شجيرات جديدة مثل شجيرات “الغضا” وبكثافة ببعض المواقع؛ إلا أن شركات الصيانة تزيح الرمال الزاحفة عن الطريق وتقتلع معها تلك الشجيرات الغضة؛ فاستفزني المنظر وبمجرد وصولي للعاصمة الرياض بعثت مقترحا بالبريد لمعالي رئيس الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة حيث كانت في حينه تختص بشؤون البيئة قبل أن يتغير مسماها ويُنقل اختصاص البيئة لوزارة البيئة والمياه والزراعة.

وكانت الفكرة تتمثل بحماية الغطاء النباتي ما بين طريق السيارات وسكة الحديد الموازية له التي تبعد كيلو متر تقريباً عنه، وأن سجادة من الخضرة الطبيعية ستمتد بطول 350كم وعرض كيلو واحد في وسط صحراء النفود ولا تحتاج تكاليف غير رش البذور وقت الوسم لمرة واحدة وتركها للأمطار التي لا تنقطع بفضل الله عن المكان؛ خاصة أن جانبي الطريق وكذلك السكة الحديد تكثف من كمية الماء المنساب “للسجادة”.

وقد شكل معالي رئيس الهيئة لجنة لتدرس الفكرة وتواصلوا معي لشرح الفكرة؛ إلا أن النتائج لم تظهر لاحقا. والمشروع يمكن تنفيذه في أجواء مبادرة “السعودية الخضراء”.

وتفرعاً من قضية البيئة فإن اختيار منطقة الجوف منطلقاً لمشاريع الطاقة النظيفة بإنشاء محطتين واحدة تعمل بالطاقة الشمسية والأخرى بالرياح لإنتاج الكهربا؛ء فيهما إضافة لمكتسبات هذه المنطقة وتأكيدا من الجهات المسؤولة بملاءمة موقعها لمثل هذه المشاريع الاستثنائية، وتوفيرا لطاقة كهربائية كافية قد تزيد عن حاجة المنطقة لتتدفق للشبكات الكهربائية في المناطق المجاورة.

الــزراعــة:

تشتهر مناطق المملكة بزراعة النخيل والفواكه والخضروات والحبوب، وتلك المزروعات موزعة بين المناطق فتمتاز منطقة بجودة تمورها وأخرى بالفواكه وهكذا؛ أما منطقة الجوف فجمعت كل تلك المزروعات تقريباً في أرضها الخصبة وتسقيها بالماء العذب؛ بل وجمعت نقيضين: جودة في إنتاج التمور مع جودة في إنتاج الزيتون.

فالنخلة شجرة الجزيرة العربية ورمزها والزيتونة شجرة بلاد الشام وحوض البحر الأبيض المتوسط، وقد وهب الله منطقة الجوف هذا التماس الخيّر بين البيئتين بيئة النخلة وبيئة الزيتونة؛ فأصبحت تلكما الشجرتين تنتجان بكامل جودتهما في مكان واحد.

ومن العجائب تمسك أهالي الجوف بنشاطهم الزراعي رغم أنه لا يشكل مصدر دخل للغالبية منهم؛ بل يصرفون على مزارعهم من دخولهم الشخصية، ومن المصلحة الأخذ بيد هذا المزارع لزيادة الإنتاج وتحسينه ومن ثم تسويقه لتزداد الرقعة الخضراء؛ مع الاعتماد على الري الحديث كما ذكرنا وبما لا يتعارض مع خطط توفير المياه.

وعوامل نجاح التسويق قائمة فالطرق السريعة تربط الشمال بالمنطقة الوسطى والغربية والشرقية وسكة الحديد ممتدة إلى عمق المنطقة الوسطى، ولو تم التصنيع الزراعي لزادت فرص التسويق على دول الجوار خاصة العراق حيث تبتعد الحدود العراقية عن مدينة سكاكا مسافة 200كم. ونعلم حاجة العراق للسوق السعودية بل اعتمادها عليها طيلة السنوات الفائتة في العديد من المنتجات الغذائية، والتي استفادت منها دول الجوار كوسيط بين دولتين متجاورتين وكانت المملكة أولى بالفائدة من التصدير المباشر وكان العراق أولى بتوفير تكاليف الاستيراد؛ مع ذلك فالمستقبل أمامنا.

ولمن لا يعرف أن لدينا في المملكة سهل بسيطا الخصب والغني بالمياه والمحتوي على مئات المشاريع الزراعية المنوعة ومن بينها كبريات الشركات الزراعية الوطنية عليه أن يعرف ذلك وأن يشعر بالفخر؛ لقد لون منبسط بسيطا الصحراء باللون الأخضر؛ كما فيها أكبر مزرعة زيتون بالعالم وتغذي منطقة الجوف السوق السعودي بزيت الزيتون عالي الجودة إضافة للعديد من أصناف الخضروات والفواكه والحبوب.

الــمـوقــع:

من ينظر لموقع منطقة الجوف في محيطها الوطني يقول إنها تتوسط المنطقة الشمالية وهذه مزية جزئية؛ لكن رؤية المملكة العربية السعودية تجاوزت الحدود وتحدث عرابها محمد بن سلمان عن الدائرة العربية والدائرة العالمية لموقع الوطن، وبالتالي لو عدنا للخارطة وارتفعنا أكثر لظهرت منطقة الجوف متوسطة تقريباً من 8 عواصم عربية: الرياض، الكويت، بغداد، دمشق، بيروت، عمّان، القدس الحرة، القاهرة، ومطارها هو الأقرب لتلك العواصم مجتمعة. ويمكن الاستفادة منه لطيران الترانزيت والتسويق والسياحة والتدريب.

وتتعمق أهمية الموقع بوفرة بقية ميزات المنطقة الأخرى التي ذكرت وستذكر.

الآثــار:

لا تدخل الجوف في سباق إلا وتنافس؛ إنها بلد الآثار الوفيرة والمتنوعة والمنتشرة في كل بقعة فيها؛ فمن العصر الحجري الذي اعتبرت بلدة الشويحطية شمال سكاكا موطنه الأول على الأقل في قارة آسيا واعتبر شقيق لموقع مشابه في أثيوبيا؛ مرورا بعصور مختلفة قبل وبعد الميلاد تمثلها قلعة مارد في مدينة دومة الجندل وقلعة زعبل في مدينة سكاكا وقلعة الصعيدي النبطية ببلدة كاف بمحافظة القريات وبئر سيسرا بسكاكا وموقع الرجاجيل ببلدة قارا والنقوش المنتشرة في كل مكان؛ إلى عصور الإسلام الأولى التي يرمز لها في المنطقة مسجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مدينة دومة الجندل، والتي وقع فيها التحكيم كحدث مفصلي في تاريخ الإسلام بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

والجوف تتنفس آثار فهناك مدن قديمة تمثل كتلة عمرانية واحدة وتقع وسط العمران الحديث مما يعطيها حيوية وسهولة الوصول لها وميزة القرب من الخدمات؛ كمدينة دومة الجندل القديمة المعاد ترميم أجزاء منها مؤخراً، وبلدة الطوير التاريخية (ملاصقة لمدينة سكاكا) التي لا تزال مدفونة تحت الأرض وتنتظر التنقيب، وحي الضلع الأثري المحتضن قلعة زعبل والمستثمر في وسطه بمقهى عصري المشروبات والمأكولات والحلويات لكن بنكهة المكان التاريخية فأنت محاط بالعمران القديم والقلعة في الأعلى تشد بصرك كل حين، وفي ذات الوقت أنت متواجد داخل مدينة سكاكا الحديثة، وسنتحدث في القسم المقبل من المقال عن برامج الرحلات في تلك الأماكن لنأخذ القارئ لقلب الحدث.

إن الحديث لا ينتهي عن آثار وتاريخ منطقة الجوف بمدنها وبلداتها وهي من المناطق التي يسافر لها عشاق الآثار من داخل المملكة وخارجها ويحتاجون عدة أيام للتنقل بين مواقعها المتنوعة والفريدة، وإن كان رفع مستوى إنفاق الأسر السعودية على الثقافة والترفيه داخل المملكة من أهداف رؤية 2030 فهاهي منطقة الجوف على استعداد بالمشاركة في دفع هذا الهدف للأمام؛ بما لديها من مقدرات تاريخية أثرية ثقافية بيئية اجتماعية مما يساهم في إنجاح ركن من أركان الرؤية.

وإذا كانت بعض المواقع تقع وسط المدينة وملاصقة للعمران؛ فإن بعض تلك المواقع تقع خارج التجمعات السكنية لكنها وسط المنطقة الزراعية أو بالقرب منها مثل موقع الرجاجيل في أطراف بلدة قارا وموقع الشويحطية.

وتمازج الموقع الأثري والتاريخي كمكان قديم مع الأماكن التي تعج بالحياة يعطي تلك المواقع حيوية يتناسى معها الزائر أنه أمام حجارة فقط؛ بل إن كثيرا من تلك المواقع تم بث الحياة فيها من جديد كالمنطقة المحيطة بقصر مارد والمحيطة بقلعة زعبل، ونشير لموقع خاص تم إحياءه أيضا هو قصر ابن عيشان في حي الشلهوب بسكاكا الذي يتردد عليه الزوار بشكل يومي.

السياحة الشعبية (اتجه خلف الفندق)

والمقصود بالسياحة الشعبية هي القيام برحلة في مدينة ما تشمل إضافة للأنشطة المعتادة كالتنقل بين معالم المدينة وأسواقها ومطاعمها ومقاهيها ومواقعها الأثرية ومراكزها الفنية والثقافية؛ تشمل الاتصال التلقائي مع السكان المحليين وزيارتهم في منازلهم ومزارعهم دون معوقات أو محرجات والخروج في نهاية الرحلة بذكريات عميقة لا تمحيها الذاكرة، ومنطقة الجوف مؤهلة بل جاهزة لهذا النوع من السياحة، تحت عنوان (أخي الزائر .. اتجه خلف الفندق).

كثيرا ما يقوم المسافر بعد نزوله في الفندق بالتجول في المنطقة المحيطة به، ويبدأ في تأمل المجتمع المحلي وفي بعض المواقع ذات العمق الاجتماعي والتاريخي يتشوف التواصل مع الناس ليفهم واقعهم ويضفي على رحلته شيء من الجديد غير التقليدي.

وسنأخذ القارئ من الفكرة المجردة لتلك المواقع التي تحدثنا عنها إلى طرقها وبيوتها وناسها ووجباتها وزراعتها، وسيعايش الزائر المكان من خلال هذا البرنامج السياحي الثقافي الشعبي:

وأنت تزور البلدة القديمة في دومة الجندل ستمضي ساعات يومك دون أن تشعر بها.. تبدأ بوجبة إفطار بالمطعم المجهز بين جدران حجر الجندل لتتذوق الزيتون مع الزيت والعسل من الإنتاج المحلي مع خبز المقشوق الرقيق اللذيذ الذي يصنع فوراً من الصاج للمائدة.. وبعد شرب الشاي والانتهاء من الوجبة الشهية والتسلح بالطاقة ستصعد لتقضي وقتا طويلاً داخل قلعة مارد.. وتبدأ بمشاهدة البئر والاستماع لصوت قطرات الماء فيه التي لم تنقطع من آلاف السنين حيث تنساب بين طيات البئر وهذا يؤكد غنى المنطقة بالماء وقرب مائها من سطح الأرض.. وفي القلعة عشرات الغرف والمواقع وستشاهد البقعة الخضراء من النخيل تحيط بالقلعة من عدة جهات كلما صعدت لأعلى القلعة.

وستكون المتعة مضاعفة لو قرأت شيئا عن تاريخ القلعة مسبقاً وكيف كان الاكيدر ملك دومة الجندل يقضي يومه فيها كحاكم وهاوي لصيد بقر الصحراء (الوضيحي) الذي استخدمه خالد بن الوليد لاستدراجه أي الاكيدر وليخرجه من قلعته ويقبض عليه بعد أن ساق عددا منها لجدار القلعة..

وعندما نذكر الاكيدر لابد من التذكير بحادثة مهمة في تاريخ الجزيرة العربية عرابها شقيقه بشر فقد تعلّم بشر بن عبدالملك خط الجزم العربي الشمالي وهو الأقرب لكتابتنا اليوم في حيرة العراق وعندما سافر لمكة تعلمه منه بعض القرشيين هناك فانتشر وحل محل خط المسند العربي الجنوبي.. وخط الجزم خط متصل أما المسند فمنفصل ولا زال له بقايا استخدام بالقرن الإفريقي.. والشاهد في القصة قصيدة لرجل كِندي من دومة الجندل يمُنّ على قريش؛ فيقول:

ألا لا تجحدوا نعماء بشر عليكم

فقد كان ميمون النقيبة أزهرا..

أتاكم بخط الجزم حتى حفظتموا

من المال ما قد كان شتّى مبعثرا..

واتقنتموا ما كان بالمال مهملاً

وطامنتموا ما كان منه منفراً..

فأجريتم الأقلام عوداً وبدأة

وضاهيتموا كتّاب كسرى وقيصرا..

..

لقد حان وقت الظهر وستكون الصلاة في مسجد عمر بن الخطاب وستشاهد المنبر وقد تم تشييده من قبل العرب الأوائل ليناسب جسد عمر وطوله الفارع كما تقول الرواية، وهو مسجد من قسمين الرئيسي صيفي مفتوح والآخر شتوي مغلق..

بعد الظهر يمكنك استكمال الجولة في المدينة القديمة المجاورة للمسجد ثم الصعود جهة المتحف لتكتمل لديك الصورة العامة عن تاريخ المنطقة..

لازالت الرحلة لم تفصح عن مكنونها فهناك المتاحف الشخصية في المدينة التي يرحب أهلها بالزوار، وهناك سور دومة الجندل الذي اكتشف حديثاً بعد أن كان مدفونا مئات السنين، وهناك البقعة الخضراء من أشجار النخيل أسفل المدينة القديمة حيث تخترقها قنوات الماء، ولابد أن تضيف في ألبوم صورك العديد من المناظر الخلابة خاصة أن الأهالي حريصون في ترتيب تلك المزارع والأشجار.. ستشاهد النخلة وكأنها سلمت لمهندس أو رسام نتيجة “الكتاف” أي قص كرانيف النخل بشكل منظم.. وبجوارها شجرة الترنج (هكذا تنطق محليا) التي لا تغيب عن أي مزرعة وفناء منزل وهي جزء من ثقافة المنطقة الغذائية..

لقد حان وقت العصر ولأنك مسافر وصليتها جمعاً وقصراً مع الظهر فانتقل على الفور للمفاجأة الأخرى شرق المدينة حيث بحيرة دومة الجندل وستشاهد منظراً غير مألوف في قلب الصحراء مع العلم أن البحيرة طبيعية، وقد كانت امتدادا للمساحة الخضراء التي تشكلها أشجار النخيل في المنخفض المحاذي للمدينة؛ ثم تم نقلها بمضخات إلى مكانها الحالي المرتفع لتبدو أجمل وأكثر فائدة ويمكن اعتمادها موردا سياحياً وها نحن نجد المزيد من الأدلة على وفرة المياه بالجوف..

وفي الجوف عادة جميلة اسمها “الشبه” أي الجلسة حيث يفتح الرجل باب منزله ومجلسه ويقدم التمر وما تيسر ويعد القهوة والشاي ، ويستقبل الزوار سواء أكانوا ممن اعتادوا الحضور كالجيران والأقارب وبعض الأصدقاء؛ أو ممن لم يسبق لهم الحضور مثلك أيها الزائر فلا تتردد بالدخول إنهم يرحبون ولا يستنكرون الزائر الجديد ويمكنك أن تعتبر هذه استراحة لك بنهاية اليوم..

وأهل الشمال بقدر ما هم كرام مثلهم مثل عموم شعب المملكة المضياف حريصون على تقديم وجبة دسمة للضيف بقدر ما هم متسامحين مع عابر السبيل لو لاحظوا رغبته الحقيقية بالمغادرة مكتفياً بفنجان القهوة وما تيسر.. فجزء من إكرام الإنسان مراعاة رغبته الحقيقية التي تفصح عنها لغة جسده، والناس هناك يقرؤون لغة الجسد جيداً وتعلموها من الآباء والأجداد قبل إدراجها في دورات بناء الذات المستحدثة..

يوم آخر

وتتواصل رحلة المتعة والاستكشاف ولو كنت من غير المغرمين كثيراً بقضاء وقت طويل في المواقع الأثرية وترغب برحلة ممتعة وغير طويلة فنقول لك اتجه صوب قلعة زعبل بمدينة سكاكا، وتناول الإفطار في مقهى تعاليل العجيب أسفل القلعة ثم أشرب قهوتك المفضلة ومد بصرك وأنت على طاولة المقهى في حال استرخاء باتجاه القلعة الشامخة من فوق، والمحاطة بالمباني القديمة أسفلها والتقط أجمل الصور وأنت جالس..

لقد أصبحت أكثر نشاطاً وارتفع منسوب الحماس للقيام بجولة مثيرة تبدأ بالصعود أعلى القلعة القريبة لتشاهد المدينة القديمة كالحزام حول جبل القلعة وتستمتع بمنظر عموم المدينة التي لازالت متمسكة إلى حد كبير بمعالم الواحة محاولة الاستفادة من الحياة العصرية دون أن تحدث خللاً ببنيتها الاجتماعية..

إن القلعة تعطي زائرها منظراً خلاباً وهو يشاهد مدينة لا نهاية لها بوجود القرى والبلدات المحيطة والمزارع المنتشرة؛ أضف لجمال التضاريس بين الجبال الداكنة غرباً والرمال الذهبية شرقاً..

ولن تحتاج لسيارة لاستكمال رحلة اليوم الواحد فبعد قيامك بجولة في المدينة القديمة المحيطة بالقلعة، وعند أداء الصلاة في أحد المساجد المنتشرة بالمكان أحدها ملاصق للمقهى تستطيع القيام بجولة شعبية اجتماعية للتعرف على أهل حي الضلع التاريخي؛ فمجالسهم مفتوحة كقلوبهم وستلحظ في شارع الحزام وتفرعاته العديد من المضافات التي لا تستغرب دخول الزائر بل وتتوقعه فالمكان يتردد عليه الزوار بشكل يومي..

والسياحة الشعبية من أروع أنواع السياحات وفيها يتعرف المسافر على ثقافات الشعوب وعاداتهم ويمد الصداقات البناءة معهم وتبادل الزيارات، وذكرياتها لا تنسى..

ولعشاق الخضرة والجمال والماء العذب (هذه العبارة مستوحاة مما كتب في قوس إحدى الطرق في سكاكا بالثمانينات .. “أهلا بكم في سكاكاالجوف بلد الخضرة والجمال والماء العذب”) لهؤلاء العشاق رحلات العصر في مزارع سكاكا ودومة الجندل وقارا وحتى القريات وطبرجل حيث يمثل وقت العصر زمن أسطوري يتكرر يوميا في وسط خضرة تلك المزارع، وتمتد الجلسات “الشبات” التي ذكرناها داخل المدينة إلى هناك في المزارع ليتم تقديم ما تنتجه حسب الموسم؛ ففي بداية الصيف هناك التوت ثم يأتي المشمش والعنب فالتين والتمر والرمان..

ويمكن للزائر القيام برحلة في المزارع مشابهة لتلك التي قام بها في مدن المنطقة فيشاهد في مزارعها تعانق النخلة والزيتونة تعانقا عجيبا؛ فينسى نفسه هل هو في نجد أم في الشام في العراق أم في تونس والواقع أنه في الجوف..

وكتب المرحوم بإذن الله عباس الجنابي قبل وفاته بسنوات قليلة أبيات من الشعر بعد أن شاهد تعانق النخلة والزيتونة في صورة بعثتـُها له عبر إحدى وسائل التواصل، وكان الجنابي في ذلك اليوم يؤلف أبياته الشعرية حبا في الجوف وأهلها ردا على محاورية من شعراء الجوف المجارين لشعره وغيرهم من المهتمين الذين كانوا يجيبونه.. وبعد أن كتبت له برفقة صورة نخلة تحتضنها زيتونة” تعانقت في واحة الجوف.. النخلة رمز الجزيرة العربية والزيتونة رمز بلاد الهلال الخصيب فاستحقت مديح الجنابي؛ كما تشرفت به في ذات الوقت ” فأجاب على الفور شعرا:

في واحة الجوف زيتون يعانقه..

نخل يلوح على أعذاقه ذهب

رمزان للخير في أرض مباركة..

لها المفاخر والتاريخ ينتسب

ومن توافقت رحلته مع أشهر أكتوبر ونوفمبر إلى ديسمبر فقد وافق أيضاً معاصر الزيتون التي لم يألفها في الجزيرة العربية وسيستمتع بجمال الطقس ونقاء الجو، ورائحة الطبيعة الرطبة مع ساعات الصباح يصعب وصفها ولابد من معايشتها.

والظروف المهيئة لتلك الأجواء هي إحاطة الواحة ـــ الواقعة في وسط صحراء صافية ـــ بكثافة الأشجار والخضرة والماء الذي تسقى به المزروعات مع خلو المنطقة من المصانع وما يثير الأتربة؛ بل حتى الطاقة الكهربائية أصبح جزء منها ينتج بالوسائل النظيفة أو ما يعرف بالطاقة المتجددة؛ الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مما يقلل من الاعتماد على المواد البترولية لتشغيل تُـربينات محطة الكهرباء، وقد تعتمد المنطقة في المستقبل بشكل كامل على الطاقة المتجددة النظيفة.

وسيجد برنامج جودة الحياة أحد برامج رؤية 2030 في أجواء منطقة الجوف الطبيعية التلقائية التي لا تحتاج لاصطناع وبلا تكلفة المكان الملائم لتطبيقه وإثبات إمكانية نجاحه..

وبعض حكايات أهل الجوف مرتبطة بمواسمهم ففي بداية الصيف يتحدثون عن موسم العنب، وشجرة العنب في الجوف مرتبطة بشكل وثيق بالثقافة الغذائية المحلية فتصنع النساء في البيوت وجبة “الجبرق” التي تعرف في المطاعم بـ”بورق العنب” إلا أنها في الجوف ليست مقبلات بل وجبة رئيسية دسمة تطبخ مع اللحم..

وما أن ينتهي موسم العنب حتى ينشغل الناس بموسم التمر فيراقبون نخيلهم ومدى جودة إنتاجه وخلوه من الإصابات.. ويستوي التمر بالتدريج فيتسلل للمجالس الإنتاج الأول منه وهي تمرة السياطية، وهكذا يتتابع التمر من جميع الأصناف ويتوج في نهاية الموسم بتمرة الحلوة عروس التمور ورمز المنطقة حتى أطلق الرياضيون على نادي العروبة وهو أول أندية المنطقة صعوداً لدرجة الممتاز “حلوة الجوف” كما اسموا نادي التعاون “سكري القصيم”..

ويَشهد لتمرة الحلوة الشعر القديم فيقول الشاعر ماجد الحثربي في لحظة من لحظات ضيقة النفس التي بلغت مداها:

لو حنطة البلقا وتمرة هل الجوف

ما تقبله نفس عليها الطنا زام

وتمتاز الحلوة كنخلة وتمرة بالتالي:

طويلة العسبة حتى يمكن لنخلة واحدة أن تحمي سيارة من حرارة الشمس وقوية الخوصة مشدودتها وهذا يعطيها ميزة عند بناء العرائش (جمع عريشة) وكذلك تشييد خص (سور من عسب النخل يستخدم لحماية الخضروات من الهواء العاصف أو حماية أي مكان آخر بالمزرعة) وإنتاجها من التمر وفير وقنوها ثقيل وهي من أغزر أنواع النخيل بالإنتاج وكثيرا ما يخفف المزارع عن النخلة التي تنتج ما يصل إلى 15 قنو في الموسم فيقطع منها ثلثها حتى لا تحيل (تمتنع عن الإنتاج في العام المقبل) كما أن تمرها طيب المذاق كبسر ومنقد (نصفه بسر ونصفه تمر) ورطب وتمر مستوي (ناضج) ويتفوق دبس الحلوة على غيره من أصناف التمور لشدة سواده وهذا من علامات جودة الدبس وغزير الإنتاج..

ويتبع موسم التمر موسم الزيتون حيث يلتفت المزارع بمجرد جداد النخل لزيتونه فيجمعه ويكبس (يخلل) جزء منه للبيت وينقل المزارع بقية الثمر وهو الأكثر كمية إلى المعصرة لعصره واستخراج زيت الزيتون، ويفضل أن يأخذه وفيه شيء من الاخضرار لتقل نسبة الحموضة وترتفع جودته. وبعد أن يعصر الزيتون ويستلم تنك الزيت من المعصرة يبدأ في توزيع جزء منها للأقارب والأصدقاء ويستبقي الباقي مؤونة للبيت، ومن لديه إنتاج وفير يبيعه..

انتهى الموسم الزراعي وكما ذكرنا أن أهالي المنطقة لازال لديهم ارتباط بالصحراء بسبب ثنائيتها مع واحتهم؛ فيتشوفون منازل المطر في الوسم (الخريف) حيث تنبت الأرض عشبها في المواقع التي يسقط مطرها مبكرا وبأمر الله سبحانه الذي رسم لهذه الحياة برنامجا سنويا يتكرر وفق المكان والمناخ.. وكلما اتسعت الرقعة الخضراء في الصحراء كثر محتلوها من أهل المخيمات، أما ملاك الغنم والإبل فيستعدون للموسم مبكرا ويعسّون (يبحثون) عن المكان الأفضل للرعي، وعلى خلاف المتنزهين فإن ما يهم أهل المواشي النوع على حساب الكم فيختارون الأرض ذات الأعشاب والشجيرات المفيدة للمواشي، وسنة الخير -كما يسمونها- توفر لهم من مصاريف الأعلاف طالما اعتمدت الماشية في غذائها على الكلأ..

وقد يتبادر سؤال مشروع أين الهيئة العامة للسياحة من هذه البرامج وكيف سيتم تنظيمها ، ونجيب: أن مثل هذه البرامج ذات الطابع التلقائي يكفي الترويج لها والإرشاد عنها حتى لا تفقد شعبيتها وطبيعتها؛ مع ملاحظة أن الزيارة الشعبية ليست هي الهدف الجوهري لتلك الرحلات وتظل جزء من عموم الرحلة.

لكل ذلك وأكثر تستحق الجوف منحها فرصة أكبر بالمساهمة في إنجاح الرؤية، سلِّطوا الأضواءَ هناك، خلف صحراء النفود؛ لديهم كنوز لا زالت مغلقة، مفتاحها بيد الرؤية.. رؤية 2030.

بقلم/ يــوسف بن عـلي الشاعـل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى