الأدب والثقافةفن و ثقافة

إحياء التراث العربي والإسلامي في إثيوبيا

كشف باحث إثيوبي مهتم بالتراث والثقافة الإسلامية والعربية عن جهود حثيثة لإحياء التراث والمخطوطات الإسلامية والعربية في إثيوبيا.

وقال حسن محمد كاو، محاضر في جامعة أديس أبابا، إن بعض الإثيوبيين يمتلكون مخطوطات عربية في مناطق بالي وأرسي وجيما وهرر وأديس أبابا، بجانب المناطق الجنوبية ومنطقة ولو في الشمال، التي تلقّب بـ”أزهر الحبشة” ومنطقة جوندر.

وأوضح كاو أن إثيوبيا تظهر اهتماماً خاصاً خلال الفترة الحالية بالتراث الإسلامي في عدة مناطق، مشيراً الى وجود مؤسسات حديثة تعنى بالتراث الإسلامي منها متحف “عبدالله شريف” في هرر شرقي إثيوبيا، والمتحف الوطني لحكومة هرر.

وأضاف أن هذا الاهتمام لا ينحصر بالمناطق التي يعيش فيها مسلمون، إذ تحتضن العاصمة متحف جامعة أديس أبابا، الذي يضم 309 مخطوطات عربية، وكذا الحال في دار الآثار والمكتبة الوطنية الإثيوبية والمتحف الوطني.

ولفت كاو، وهو أيضاً يحضّر لنيل الدكتوراه في تاريخ الكتابة بجامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا، إلى أن مدينة جيما بإقليم أوروميا تحتضن أيضاً متحفاً إسلامياً يضم بعض المخطوطات، إلى جانب مخطوطات في متحف بلال بالعاصمة أديس أبابا.

وذكر أن هذه المتاحف جميعها ولو بدرجات مختلفة بدأت تهتم بجمع المخطوطات العربية والإسلامية وحفظها حتى تكون في متناول الجيل المقبل.

وأوضح أن هناك العديد من المخطوطات الإسلامية الإثيوبية التي خرجت إلى مناطق عدة حول العالم، مشيراً إلى وجود نحو 200 مخطوطة في مدينة شيكاغو الأمريكية بالإضافة إلى إيطاليا والفاتيكان وروسيا.

وأكد كاو أن جهوداً شعبية ورسميّة تسعى لاستعادة هذه المخطوطات لجمعها وحفظها وصيانتها.

التراث الإسلامي، مصطلح شامل يتسع لكل ما له علاقة بالإسلام[1] من نصوص القرآن والسنة النبوية,[2] واجتهادات العلماء السابقين في فهم هذه النصوص وتطبيقها على الواقع، وقد حصل خلاف حول ما إذا كان هذا التراث دينا مقدسا يجب الالتزام به، أو نصوصا واجتهادات مرتبطة بأزمانها وأماكنها الغابرة، تعامل على أنها تاريخ ينقل لنا تجربة بشرية قابلة للنقد والنقض والتعديل والتطوير بما يتناسب مع الزمان والمكان والظروف الخاصة بكل عصر.[3]

وهو لا يقتصر بالضرورة على الإنتاج المعرفي في العلوم الشرعية وحدها كالتفسير والحديث والفقه ونحو ذلك، بل يتسع ليشمل كل ما خلَّفه العلماء المسلمون عبر العصور من مؤلفات في مختلف فروع المعرفة، وبشتى اللغات، وفي كل بقعة من بقاع الأرض بلغتها دعوةُ الإسلام.[4][5][6][7] ويمكن تعريف التراث الإسلامى على أنه كل ما خلفه الأسلاف المسلمون من عقيدة دينية (القرآن والسنة) وعطاءات حضارية (مادية ومعنوية).

التراث هو الهوية الثقافية للأمم، والتي من دونها تضمحل وتتفكك داخلياً، وقد تندمج ثقافياً في أحد التيارات الحضارية والثقافية العالمية القوية. وبالنسبة للمسلمين فإنهم يتعرضون لهذا التفكك ويندفعون بقوة مطردة نحو التيارات العالمية المتباينة، ويمكن أن نتلمس أسباب ذلك أو بعضها في طبيعة التراث من ناحية، وفي طريقة الإفادة منه ثانياً، وفي القيم العامة التي تحكم إلى حد ما ـ ولو على صعيد القيادات الفكرية ـ عملية التفاعل معه ثالثاً.[8]

فأمَّا طبيعة التراث، فإن معظم التراث الإسلامي يتمثل في المكتبة العربية والتي ترجع بدايتها إلى فجر التاريخ الإسلامي، عندما قامت حركة التدوين في القرن الأول، ثم انتهت إلى التصنيف في القرن الثاني، وازدهرت كثيراً في القرن الثالث ثم الرابع، ولا يعني ذلك غمط جوانب التراث الأخرى حقوقها أو التقليل من آثارها، فإن الأعراف الاجتماعية والتقاليد الخلقية تتوارثها الأجيال اللاحقة وتكتسبها من الأجيال السابقة، وكذلك فإن المخلفات المادية المحفوظة توضح المستوى الحضاري للأمة ومدة تنوع نشاطها في الماضي، ولكن من الواضح أن المكتبة العربية هي أهم جوانب التراث الإسلامي، وقد كتبت معظم المؤلفات بلغة أدبية رفيعة مما يرتفع بالذوق الأدبي والثروة اللغوية للقارئ، الذي لابد أن يتمتع بمستوى لغوي وثقافي مناسب؛ ليتمكن من الإفادة من المكتبة العربية (الكلاسيكية ).

وإذا كانت هذه الظاهرة من مزايا التراث ـ وهي كذلك فإنها تؤدي إلى العزلة بينه وبين الجماهير التي تحتاج إلى تيسيره وتوطئته؛ إذ ليس من المعقول أن نطالب الجمهور الواسع بالارتفاع إلى المستوى الفني اللازم للتعامل مع التراث في الوقت الذي نعرف تماماً أن معظم الأكاديميين يلقون صعوبات شتى في هذا المجال؛ بل أن معظم المحاضرات في الأقسام الأدبية المتخصصة لا تُلقى باللغة العربية الفصحى!!.

إن عملية نقل التراث إلى الأجيال المعاصرة ليست سهلة، فإن احتمال التحريف المتعمد للقيم التراثية يعتبر من أبرز الأخطار التي اقترنت بما تم في هذا المجال؛ بسبب الغزو الثقافي الذي تعرضت له أرض الحضارة الإسلامية، والذي أدى إلى إحلال قيم ثقافية جديدة تتصل بالحضارة الغربية ولا ترتكز إطلاقاً على جذورنا الثقافية.

إن التيسير المطلوب والتوطئة المقصودة؛ تحتاج إلى أقلام تؤمن بعقيدة الأمة الإسلامية، وتُقِرُّ بجدوى تجديد روح الأمة وقيمها بالارتكاز على جذورها الحضارية والثقافية. ومن دون ذلك لن يكون التيسير إلا تشويهاً منظماً وتخريباً مقصوداً، ولن يثمر في تعميق الوحدة الثقافية للأمة بل سيزيد في الفصام، ويقوي التشتت والإحساس بالضياع وفقدان الهوية.

نعم، إن ثمة صحوة لابد من الاعتراف بها ومن تقويمها ..صحوة نحو إحياء التراث تختلف عن حركة (الرينيسانس) الأوروبية بكونها تلتصق بالجذور القريبة، ولا تعاني من مشكلة حذف مرحلة تاريخية معينة كما حدث لحركة الإحياء الأوروبية؛ إن هذه النظرة الإيجابية التي تتسم بها حركة الإحياء الإسلامية الحديثة ذات أثر عميق في التعامل مع التراث.[8]

ولعل من المظاهر القوية لهذه الصحوة: الإقبال الكبير على تحقيق النصوص التراثية ونشرها، تتعاون في ذلك المؤسسات الجامعية والعلمية والتجارية. ورغم أن ذلك يتم بصورة عشوائية إلى حد ما؛ من حيث عدم الوضوح الاستراتيجي، وعدم تقديم الأولويات، بل عدم الاتفاق على قواعد نشر محددة، فإن ذلك سيؤدي حتماً إلى تكامل المكتبة العربية القديمة؛ مما يهيئ المجال أمام الباحثين للقيام بدورهم في التحليل والتركيب؛ بغية وصل الحاضر بالماضي، وفي الوقت نفسه دفع الحاضر إلى الأمام للِّحاق ببقية المتسابقين بالاعتماد على تقوية الجذور وتحديد الهوية خوفاً من الضياع في حلبة السباق . .

فلا بد أن تكون معالم الطريق واضحة، وأن تكون خُطا الأمة ثابتة واثقة، وأن يسودها روح التحدي للتخلف والتمرد على الواقع.

فالطفرات هي الوسيلة الوحيدة للَّحاق بالآخرين فضلاً عن سبقهم، وما دام الأمر كذلك فلا بد من دراسة التاريخ الحضاري العالمي وخاصة فترات الأزمات العصيبة التي مرت بالأمم، ولابد من أن تتحول الدراسات إلى روح عامة في الأمة ولا تقبع في مدارج الأكاديميين أو على رفوف المكتبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى