إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

نحو مشروعٍ لتربية الأطفال فكريًّا

جعل الله حب الذرية غريزة فطرية أودعها الله خلقه؛ لعمارة الكون واستمرار الحياة، والإنسان أكثر إلحاحا في طلبها والبحث عنها. والذرية من أكبر وأهم وأجل الأمانات التي أودعها الله الإنسان.

وكمال البشرية المتمثل في سادتنا الأنبياء يعطينا الأسوة الحسنة في حب الذرية، كما يبين لنا الهدف من طلب تلك الذرية، فهذا أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم ـعليه السلامـ ينادى ربه: {رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم} (101،100ـ الصافات) وسيدنا زكريا -عليه السلام- يدعو ربه :{… فهب لي من لدنك وليًّا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحي لم نجعل له من قبل سميا} (7:5ـ مريم) وكما دعا الأنبياء والمرسلون -على نبينا وعليهم الصلاة والسلام- دعا كذلك الصالحون، فمن أوصاف عباد الرحمن الواردة في سورة الفرقان: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} (74ـ الفرقان).

ولم يحرم المولى بكرمه وجوده هؤلاء الداعين مطلبهم؛ فقد استجاب الله لهم، وأعطاهم الذرية، فالذرية نعمة وهبة من الله يجب الحفاظ عليها بحسن التربية وجميل الرعاية.

أهمية الفكر:

الفكر هو آلة العقل المهمة؛ التي يتم عن طريقها تصرف الإنسان في هذا الكون؛ ليحقق معنى الخلافة في الأرض التي أرادها الله له قبل نزوله إلى هذه الأرض.

وقد ورد لفظ (الفكر) ومشتقاته في ثمانية عشر موضعًا من القرآن الكريم مما يدل دلالة عظيمةً على أن للفكر منزلة سامية في تراثنا الإسلامي بل في التراث الإنساني كله.

وليس غريبًا أن تكون للفكر تلك المنزلة العالية في تراثنا الإسلامي؛ لأن على الفكر مدار الحياة، فالسياسات التي تقود العالم نتاج فكر، والنظريات والتجارب الإنسانية المختلفة أساسها الفكر، والضلال وقبوله والتمادي فيه فكر، والهداية وسلوك طريقها فكر؛ وما الخواطر إلا صور تنجلي في مرآة الفكر؛ لتظهر للناس في شكل تعبيرات تدل على ضحالة أو غزارة فكر صاحبها، كما أنها تبين اعتدال فكره من انحرافه.

ولقد نبهنا القرآن الكريم إلى هذين الصنفين من أصحاب الفكر فقال عن أصحاب الفكر المعتدل: {الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} (آل عمران 191). كما أخبرنا القرآن الكريم أيضًا عن أحد أصحاب الفكر المنحرف في قول الله عز وجل: {إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر} (المدثر18 :23). ومما نسب إلى الإمام علي -رضي الله عنه- “الفكر مرآة صافية”.

والأفكار الراشدة تسبق الكلمات؛ وإلا جاءت التعبيرات شيئًا لا قيمة له، ولا فائدة منه، ومن آثار الصالحين قولهم: “فكر ساعة أفضل من عبادة سنتين قيام ليلها وصيام نهارها”.

بين الرجل والعقل:

فإذا كان للفكر تلك المنزلة الهامة والخطيرة؛ فإن من الواجب علينا جميعًا (دول، ومؤسسات، وأسر، وأفراد) أن نعلم أطفالنا كيفية التفكير السليم، وأن ندربهم على إعمال العقل والذهن بأسلوب بسيط وميسر، وأن نتخذ التدريب الفكري مشروعًا إيمانيًّا وقوميًّا عامًّا يشارك فيه الجميع ولن يكلفنا ذلك الكثير، حتى وإن كلفنا، فإن المشروع يستحق التكلفة فقد أنفقنا الكثير والكثير من الجهد والمال على تنمية مهارات الأرجل (مباريات كرة القدم)؛ فكسبنا الكثير من معارك المباريات الرجلية، بل إن معظم دولنا قد عينت ضمن وزاراتها وزيرًا للشباب والرياضة جعلت أخطر مهامه الاهتمام بتنمية وتربية وثقافة المهام الرجلية وكرمنا الموهوبين رجليًّا أكثر مما كرمنا الموهوبين عقليًّا وثقافيًّا.

يتم كثيرا اتهام المفكرين والنقاد بأنهم يعرضون المشاكل ولا يطرحون الحلول؛ وتفاديًا لهذا الاتهام أعرض ما لدي، وأتمنى من جميع المهتمين بأطفالنا أن يعرضوا ما عندهم من مشروعات وأفكار مشاركةً في هذا المشروع الذي نتمنى له الظهور إلى حيز التنفيذ.

دور الدول بصفة عامة:

يمكن لكل دولة -إن أردنا النهوض بهذا الوطن- أن تولي اهتمامها بأطفال اليوم الذين هم شباب الغد وقادة المستقبل، بأن تسخر جزءًا كبيرًا من إمكانياتها المتاحة لخدمة الناحية الفكرية لدى الأطفال وذلك عن طريق إنشاء (مجلس أعلى لتربية الأطفال فكريًّا) يتبع جامعة الدول العربية، أو منظمة المؤتمر الإسلامي، أو رابطة العالم الإسلامي، أو المنظمة الإسلامية للعلوم والتربية (الإيسكو) ويكون له مقر فرعي في كل دولةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ، ويقوم المجلس الأعلى بالإعلان عن مسابقة عامة لتربية الأطفال فكريًّا في مراحلهم السنية المختلفة وتكون المسابقة جادةً ومحفزةً ماديًّا ومعنويًّا، وتطرح هذه المسابقة للنقاش والحوار في شتى وسائل الإعلام وبعد التقييم وانتقاء الأبحاث الجادة والفائزة يقوم المجلس الأعلى بالنظر فيما يمكن الاستفادة منه بجعله برنامج عمل، كما يمكن طباعة هذه الأبحاث وتوزيعها على جميع المؤسسات التي تتعامل مع الأطفال.

وتستطيع الدول عن طريق مؤسساتها المختلفة أن تقوم بالدور الرائد والأهم في مشروع التربية الفكرية ولنضرب أمثلة لبعض الوزارات التي يناط بها العمل جديًّا لإنجاح مثل هذا المشروع، وقبل ذلك لا بد من المدخل إلى جميع الوزارات المتمثل في الأسرة التي هي منبت الأطفال.

دور الأسرة:

يجب أن نعي جيدًا أن دور الأسرة في تربية الأطفال فكريًّا لا يمكن إهماله أو نسيانه، فمن الواجب على الأسرة متمثلة في الأبوين والإخوة الكبار القيام بالدور المهم والرائد في هذا المجال وذلك عن طريق المتابعة والملاحظة لأنشطة وسلوكيات الطفل المختلفة والبحث عن ميوله ورغباته ومحاولة تنشيط ذهنه واستغلال ذكائه في التفكير الجدي السليم، لا أن نترك الأطفال لأخلاقيات الشوارع أو سلوكيات المربيات.

كما نتمنى أن تهتم الدول بثقافة الوالدين وتزويدهم بكل ما يخدم مصالح الطفل ويزيد من تربيته الفكرية، وأن تعطي منح تفرغ للأمهات العاملات لتربية وملاحظة أطفالهن وتشجيع غير العاملات للحصول على مؤهلات مناسبة مع إعطائهن الحافز المناسب، وتقديم الخدمات التربوية للجميع. ويمكن لرب الأسرة الاشتراك مع جميع الوزارات في هذا الشأن بالدعم والمتابعة وكذلك العضوية في مجالس الآباء والمنتديات التثقيفية المنتشرة في وزارات التربية والتعليم، والشباب والرياضة، والثقافة، كما أنه من الواجب على الوالدين ألا ينتظرا إلى أن تتدخل الدولة؛ فالمسئولية مشتركة فإذا قصر طرف فلا ينبغي أن يقصر الطرف الآخر ولنتدارك جميعاً خطر إهمال الأسرة لرعاية الأطفال بسبب انشغال الوالدين بالعمل، أو أي شيء مما يجعل الأطفال يعانون من اليتم الاجتماعي -يتم في وجود الوالدين- الذي تسبب ويتسبب في كثير مما يعانيه المجتمع من عقوق الأولاد وتشردهم. ورحم الله أمير الشعراء إذ يقول:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا

إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا.

ولنذهب إلى دور الوزارات في كل دولةٍ لها عضوية في هذا المجلس المرتقب:

وزارات التربية والتعليم:

وزارة التربية والتعليم هي الوزارة الأولى المعنية بتربية الأطفال وتعليمهم، وتستطيع أن تقوم بالدور الأكبر في هذا المجال بأن تقرر على التلاميذ مادةً عمليةً ونظريةً للتدريب الفكري والمهارات العقلية، وأن يكون معلمو المرحلة الإبتدائية متميزين علميا ومتدربين في أكثر من جهة لها علاقة بالسلوك التربوي السوي، وأن تجعل في كل مدرسة رائداً فكرياً يتبنى تدريب وتنمية أفكار التلاميذ وكشف مواهبهم والقيام على تنشيط هذه المواهب؛ حتى لا تطمس في زحمة المهارات الشكلية العقيمة التي لا تواكب تقدماً، ولا تلاحق جديداً وما أكثر الموهوبين من أطفالنا! وما أكثر أهل الخبرة والرواد والمعلمين المفكرين في تلك الوزارة الحيوية المهمة في سائر أوطاننا.

وزارات الإعلام:

تستطيع وزارات الإعلام القيام بدورٍ رائدٍ وحيوي عن طريق بث البرامج المقروءة، والمسموعة التي تدعو إلى التفكير وإعمال الذهن، ويا حبذا لو تم إنشاء قناةٍ خاصةٍ بتنمية الفكر لدى الأطفال، تكون متاحة للجميع، أو تخصيص وقتٍ مناسبٍ لبرنامجٍ خاصٍ يقوم بهذه المهمة من خلال القنوات العادية المتاحة.

والواقع البحثي الحي يقول بلسان الحال: “إن تأثير بث مسلسل واحد على المجتمع ككل أكثر من تأثير مئات الخطباء والمربين”. كما أن من الواجب أيضا على وزارة الإعلام نحو أطفالنا أن تجعل من هؤلاء المميزين فكرياً نجوماً تستضيفهم في برامجها المختلفة وأن ينالوا من الاهتمام الإعلامي ما تناله الراقصات درجة ثالثة أو الفنانات تحت المستوى أو المتفوقين في كرة الرجل.

وزارات الشباب:

وكذلك وزارات الشباب تستطيع عن طريق نوادي الطلائع أن تعين مرشدين فكريين وأن تستضيف كبار المميزين من أصحاب التجارب السابقة في لقاءات مباشرةٍ مع الطلائع لشرح تجاربهم وذكريات طفولتهم والعوامل التي ساعدتهم على التميز والتفوق.

ومن خلال لقاءاتي بالطلائع والشباب في بعض الأندية المصرية -على سبيل المثال- أستطيع القول: إن وزارة الشباب أكثر الوزارات نشاطاً في هذا المجال؛ إلا أن العيب يكمن في أن أكثر اهتمامها يبدأ معكوساً منكوساً فهو يبدأ من أسفل إلى أعلى، أي من القدم إلى المخ، وكأنها تطبق الحكمة القائلة: (الراحة تبدأ من القدمين) ولكن لا ينبغي أن نهضمها حقها، فهي رغم هذا، الوزارة الأكثر اهتماماً ونشاطاً في تلك المجالات وعسى أن تبدأ بالوضع الطبيعي الصحيح من أعلى إلى أسفل فتكرم وتهتم بالموهوبين عقلياً وليس العكس.

وزارات الثقافة:

أما عن وزارات الثقافة فحدث ولا حرج فهي الوزارات الأغنى، وهي المسئولة عن تثقيفنا وتثقيف أطفالنا وقد قامت وزارات الثقافة في عالمنا العربي والإسلامي بجهود كبيرة ومشكورة إلا أنها غير كافية في هذا المجال؛ فقد ذهب جل الاهتمام بالأطفال إلى ناحية الفن من عروض الطبل والزمر والنحت والرسم وكأن البلاد تشكو من قلة المواهب في تلك المجالات.

ويمكن للوزارات عن طريق هيئاتها المختلفة ونواديها المتنوعة أن تقيم معامل للتربية الفكرية والتدريب العملي للأطفال على كل ما يخدم الناحية الفكرية وما أكثر المثقفين في وزاراتنا، وما أقل استخدام إمكانياتهم في الثقافة والتثقيف!.

أيها السادة المسؤولون:

إن أطفالنا في العالم العربي والإسلامي بحاجة ماسة إلى حسن الرعاية بكافة أنواعها وفي مراحل أعمارهم المختلفة، وأطفالنا والحمد لله على نسبة عالية من الذكاء، وهذا الذكاء إن لم يجد تربية فكرية مناسبة وبناءة؛ انحرف بالأطفال في في مستقبل حياتهم ومراهقتهم وشبابهم وتحول إلى ذكاء شيطاني، ومعلوم أن أي موهبة لا يُحسَن استغلالها؛ تنطمس، أوتنحرف إلى السوء.

ورحم الله أمير الشعراء حين قال:

بلابل الروض لم تخرس وما خلقت خرسًا … ولكن شؤم البوم رباها

إن من الواجب على الجميع المبادرة، والمسارعة إلى تربية أطفالنا علميًّا، وفكريًّا، وثقافيًّا، قبل أن تجرفهم التيارات المنحرفة وقد قلت ولا زلت أقول من خلال محاوراتي ومناقشاتي للأطفال في نوادي الطلائع وغيرها: إن أطفالنا بخير فماذا نحن فاعلون؟!.

نسأل الله تعالى أن يحرك هذا المقال الوعي، ويجد آذاناً مصغية وقلوبًا واعية، وجهودًا جادة ومثمرة لدي السادة المسئولين في وطننا العربي والإسلامي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الأديب الدكتور/ سيد سليم الأزهري

مقالات ذات صلة

‫51 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى