زوايا وأقلاممشاركات وكتابات

إعجاز الكلمة

(تعبَّدوا اللهَ بالكلمة) بهذه العبارة المهمة أبدأ مقالي عن الكلمة، فهي ذلك النور الإلهي الذي يسطع بالمجالس فيزيدها نورًا، تحيي شغفك أو تطفئ وهج الحياة بعينيك. تلك السمة الربانية التي أودعها الله على لسان خلقه، فتفرش لك الأرض وردًا، فيزهر قلبك وتزدهر حياتك بكلمة، أو تدخل مرحلة الاكتئاب والعزلة بكلمة، “وبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك”، الفظاظة داء مقيت؛ يأتي على ريعان الحياة وشبابها فيدميه، ويحيله عبوسًا وجفاءََ.
الجنة كلمة، والنار كلمة، ومشاعرك مرهونة بالكلمة، إما أن تزجيك أنهارًا من الحب بقلبك أو تحيل بستان وربيع قلبك إلى صحراء جرداء من ماء الحياة. أتيت إلى هذه الحياة بالكلمة وميثاق غليظ بين والديك، وستحياها بما ينطقه قلبك ويلهج به كل صباح، فتتلون حياتك بكلمات أفكارك على نوعيتها، وستغادر الحياة بالكلمة، شهادة الإسلام التي ترجو من الله أن تكون آخر ما تلفظ به أنفاسك على فراش الاحتضار.
نسي الناس سطوة الكلمة فباتوا يلفظونها عبثًا ويلفظونها كلمات موحية لأنفسهم بالعجز والكسل، ولايدرون أنها تتخلل دواخلهم وعقلهم الباطن وتترسخ على أنها ثوابت، فالعقل الباطن يتعامل مع الكلمات المُثبتة، فيؤكد المُدخلات من الكلمات على أنها حقيقة، وإن كان بها نفي، كقولك: (أنا لن أرسب)، فيتعامل معها عقلك الباطن إذ ذاك بمعنى: أنا أرسب، فالأصح حينها أن تقول: (أنا أنجح)، فنظام العقل مبني على هذه المنظومة في التعامل مع كنه الكلمات.
نفسك محكمة شرعية تحكم على حياتك بواقع كلماتك إلى إشعار آخر، فوقع الكلمات لا يستهان به “ليس هناك قوة أعتى من الكلمة المناسبة في الموقف المناسب”، والذي يستعمل الكلمات بحذر ويعرف مكامن قوتها وضعفها قد عرف سر التأثير والقدوة؛ فالكلمة زناد وقت الحرب، والكلمة باقات ورود وقت الفرح، والكلمة ضمادات روحية تواسي وقت الألم، الكلمة تهدهد الروح وتفجر ينابيع الشغف والطموح بداخلك، وهي مشجعة ومحفزة، الكلمة معجزة الله في خلقه، فهي تحيي نفسًا، تلك النفس التي من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا.
ومن الكلمات ما يضفي غباشة بعينيك فتمسي لا ترى للأمل بصيصا. سبحان من جعل طيب الحياة بالكلمة التي يجريها على قلوب عباده الطيبين.
النفس في تقلبات ومزاجات متعددة سائر اليوم، والنفس العصبية أسوأ النفوس التي لا تأمن شر سهامها بالكلمة، فتغدو مترقبًا، وما أسوأ على النفس من الترقب لتباغتك الكلمة في أسوأ حالاتها.. لا لشيء سوى أنها انبثقت من نفس مشوهة، لا تلقي بالًا لسطوة الكلمة.
انتبه أن ترمي حديثًا لا يزول أثره بسهولة وتبقى تلك الندبة بقلب أحدهم للأبد دون أن تدرك ذلك.

تعبّدوا لله بالكلمة (العبادة المنسيّة)، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلْقِي لها بالًا، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سَخَط الله- لا يُلْقِي لها بالًا، يهوي بها في جهنم”.
سطوة الكلمة في وقعها على النّفس على نوعيّتها و شدّتها ونبرةِ قائلها.
الكلمة هيَ الدّاء والدّواء، هي ترياقُ الحياةِ الطّيبة الزّاخرة بالمعاني الجميلة.

الكاتبة الجزائرية/ شيتور فيروز

مقالات ذات صلة

‫56 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى