إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

من وحي خيمة السفير

أحسنَ صنعًا معالي سفيرنا في لبنان الأستاذ وليد بخاري عندما استقبل في خيمة عربيّةٍ الوفود اللبنانية المعتذرة من تصريحات وزير خارجيتهم السابق المشينة التي أساء فيها للسعودية حكومةً وشعبًا وعيرنا بـــــ (البدو)، بعد أن لم يجد -والحمد لله- عارًا يعير به هذا الشعب الأبي الأصيل، فعيرنا بما يسعدنا ويشرفنا وبما نحن به نفخر ونفاخر.
وذكرني في هذا بأبيات الخليفة العباسي المستنجد بالله، الشهيرة التي منها:
“عيّرتني بالشيب وهو وقارٌ … ليتها عيَّرت بما هو عارٌ
أن تكن شابت الذوائب مني … فالليالي تزيِّنها الأقمارُ”

الخيمة ارتبطت بالبدوي ارتباط السوار بالمعصم، وهي كما تقول موسوعة ويكيبيديا: “رمز من رموز التراث الذي ميَّز البدو الرُّحل وسكان الصحراء وحدَّد خصوصيتهم، حيث كانت بيتهم الثابت والمتنقل حسب الحاجة والظروف التي يحددها المرعى والمشرب والأمن، كما تمثل الخيمة تجسيدًا للعلاقات الاجتماعية والروابط الأسريَّة، فخيمة الشخص تعني أسرته إذ يقال: “تخيَّم الشخص” أي: تزوج وصار ربُّ بيتٍ”.

بيئة البدوي الصحراوية فرضت عليه الخيمة سكنًا قابلًا للحلِّ والترحال.

أحسب أن معالي الوزير أراد من لفتته المعبرة هذه أن يقول للقاصي والداني: “نعم.. نحن بدو أبناء بدو، ليس عندنا أسهل من الحلِّ والترحال”.
“تأبى الرجولة أن تدنس سيفها
قد يغلب المقدام ساعة يغلب
في الفجر تحتضن القفار رواحلي
والحرُّ حين يرى الملالة يهرب”.

خيمة الوزير بدت للزائرين والناظرين حلَّةً قشيبةً مزدانةً بدلال القهوة وموقدٍ للنار وبعض الحطب، تعبيرًا عن كرم البدوي الفياض، كيف لا وهو حفيد حاتم الطائي، وسليل معن بن زائدة: “أولئك آبائي فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا يا جرير المجامع” وكرم البدوي شمل أشقاءنا اللبنانيين منذ عقود، غير أن البدوي لا يمن بكرمه وعطائه على أحدٍ، وذلك لأنَّ عطايا وهدايا ومنح بلادنا لأخوتنا اللبنانيين -المبتلين بقادةٍ فاسدين إلا ما رحم ربي وقليل ما هم- لن يتبعها أذى، وهذا ديدن قيادتنا وبلادنا وشعبنا في كلِّ عطاء يقدم لأيِّ عربيٍّ أو مسلمٍ أو إنسانٍ على سطح هذه المعمورة.
خيمة السفير زانها مكيِّفٌ عصريٌّ في دلالةٍ بالغةٍ إلى أن هذا البدوي بالرغم من تشبثه بجذوره الراسخة، وهويَّته الأصيلة وتاريخه العريق، ألا إنّه ليس عدوًا للحضارة والمدنيّة، ولا رافضًا لجودة الحياة ورفاهيتها.

نحن معشر البدو تمثلنا خير تمثيل مقولة الملك فيصل بن عبد العزيز الشهيرة لوزير خارجية أمريكا هنري كسينجر أيام حرب رمضان 1973، عندما قطع البترول عن أمريكا: “نحن كنا ولا نزال بدو، وكنا نعيش في الخيام، وغذاؤنا التمر والماء فقط، ونحن مستعدون للعودة إلى ما كنا عليه”.
أخيرًا وليس آخرًا، أحسب أن في تصرف سفيرنا شيئًا من دهاء البدو الذين أحالوا صحاريهم القاحلة مراكز حضاريّة يشار لها بالبنان، وصنعوا لحاضرهم ومستقبلهم مجدًا يسجل بمداد من ذهب جنبًا إلى جنبٍ مع ماضيهم العريق الذي شرف باحتضان ورعاية خاتم رسالات السماء، ونشر هديه في أصقاع الأرض.
___________________

الكاتب والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان_القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

ايميل:  qkhalaf2@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

مقالات ذات صلة

‫56 تعليقات

  1. البداوة أسلوب عيش وحياة ؛ وعندما يخطر في بالنا أو نرجع لمخزون ومحفز العقل الباطن نجد فيه دلالات الكرم والشهامة والشجاعة والصدق والوفاء والصفاء والإباء وكثير من مكارم الأخلاق – التي توافق نمط هذه المعيشة وهذا الأسلوب .. حتى ان نبي الأمة صل الله عليه وسلم لم يبعث الا متمما لها ؛ وكون هناك من يراها نقيصة فهو لايمثل الا ثقافته وتربيتة القاصرة الناقصة .. والبداوة ليست مقتصرة على العرب بذاتهم كونهم سكنوا بوادي غير ذي زرع .. وفي جزيرة تغلب عليها الصحراء ومنها شح مصادر العيش .. بل هناك أقوام أخرى في الكرة الأرضية تعتمد حياتهم على التنقل والبحث عن الماء والكلأ .. ويطلق عليهم بدو .. ويعقوب ويوسف عليهما السلام ذكر الله مقر سكناهم في سورة يوسف ..
    وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100).
    والغالبية العظمى من سكان البادية في الجزيرة العربية كانوا بدوا الى أن سكنوا المدن ، حيث تغير نمط حياتهم ؛ ولكنهم لازالو يعتزون ويفتخرون بأصول معيشتهم البدوية .. وكون هناك من يراها عيب ونقيصة فهم يرونها بعكس ذلك – بل ويتفاخرون ويعتزون بها الى أبعد الحدود.
    وسفير المملكة البخاري يمثل دولة لها عاداتها وتقاليدها وعروقها وجذورها التاريخية ؛ والمشب وبيت الشعر الذي نصب هناك .. منصوب هنا في بيوتنا وقلوبنا.
    شكرا أبا سعد : على ماجدت به وبما طرزته لنا من جمال وروعة الكلم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى