إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

اكتساب الوعي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد…

لكل علم من العلوم ما يميزه عن غيره ويجعله مغايرا له في مضمونه وشكله. ومما يتميز به علم عن غيره: عدد ما أُلِّف فيه وفي شرحه، ونسبة المختصين في شأنه، وما يكتب فيه وما يقام لأجله بقصد إيصال صوته، وما يملكه من تاريخٍ يعود إليه يكون له بمثابة أصله. كل ذلك وغيره سبب له في نمائه وتطوره، وأهم منه بقاؤه دونما اندثاره، وبقدر ما يكون حديث الناس يكون أثره في حياتهم ويزداد فيهم تطبيقه، بعضها يحظى بشيء وافرٍ من ذلك وحظ بعضها منها أقل من نصفه، رغم أهميته الكبيرة وجميل أثره.

يوجد هذا في كل مجال، سواء أكان في الاجتماع، أم في السياسة أم في المال، بل حتى فيما يتصل اتصالاً مباشرًا في شرعه. وإن كان لي شيء من حسن التقدير فإن الوعي واحد من تلك التي لا يتناسق فيها حجمه ومكانته وقيمته مع مقدار ما أُلِّف فيه ولا مقدار طرحه.

ولا أقصد خلوه وعدمه، لكن المتوفر أقل من مستوى ذكره، فما لم يكن حديث الناس في مجالسهم ولا يسمع به صغيرهم أكثر من كبيرهم وليس عند الطلاب واحدًا من مناهجهم فلا غير ذلك أدل على إهماله.

وعند قراءة القرآن بالطريقة التي أمر بها منزله يجد القارئ ذكر ذلك في آيات لا تقل عن عدد آيات توحيده، ومن نماذج ذلك قول الله تعالى: (أفلا تتفكرون) (أقلا تعقلون) (أفلا تتدبرون). وفي الحديث (نظر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها فرب مُبلِّغٍ أوعى من سامع).

إذا اتفقنا على ذلك فإننا نتفق على أن إبراز الوعي ومتعلقاته ومتطلباته شيئًا مما أمر الله تعالى به، وأحد واجباته. وربما يعود سبب قِلّة ما يتمتع به الوعي من حظ مع ما يتناسب معه إلى طبيعته وأهميته؛ فالوعي ليس مادة نظرية يمكن استيعابه وحفظه، بل هو عملية بنائية تراكمية يستخلص من مزيج بعضه يكمل بعضه، صفات ذاتية، مثل: الحكمة والبصيرة والفطنة، واكتسابية، مثل: العلم والفهم والمعرفة، وحياتية، مثل: الخلطة والتجربة والرغبة.

جميعها مجتمعة هي ما يحدد مستوى الإنسان ومستوى وعيه.

اكتساب تلك التركيبة يستلزم على الإنسان بذل مقدار يزيد على مقدار وسعه ليحقق ما لا غنى لأحد عنه، أقر به أم جحده.

والله ولي التوفيق.

بقلم/ زياد بن عبد اللطيف الفوزان

مقالات ذات صلة

‫40 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى