إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الفقر والموت والصبر

سألوا حكيمًا: أي أنواع الموسيقى حرام؟

قال: صوت الملاعق في صحون الأغنياء.. عندما ترنُ في أذان الفقراء.

راقت لي.. من أروع وأرقى القصائد.. وهي تجسد حالة ما نعيشه اليوم وللأسف.

كان الشاعر العراقي معروف الرصافي جالسًا في دكان صديقه الكائن أمام جامع الحيدر ببغداد، وبينما كانا يتجاذبان أطراف الحديث، وإذا بامرأة محجبة يوحي منظرها العام بأنها فقيرة، وكانت تحمل صحنًا، وطلبت بالإشارة من صاحبه أن يعطيها بضعة قروش كثمن لهذا الصحن، ولكن صاحب الدكان خرج إليها وحدثها همسًا؛ فانصرفت المرأة الفقيرة، فاستفسر الرصافي منه عن المرأة، فقال له صاحبه: إنها أرملة تعيل يتيمين وهم الآن جياع وتريد أن ترهن الصحن بأربعة قروش كي تشتري لهما الخبز.

فما كان من الرصافي إلا أن لحق بها واعطاها اثني عشر قرشًا، كان كل ما يملكه الرصافي في جيبه، فأخذت السيدة الأرملة القروش وهي في حالة تردد وحياء، وسلمت الصحن للرصافي وهي تقول: الله يرضى عليك تفضل وخذ الصحن.

فرفض الرصافي وغادرها عائدًا إلى دكان صديقه، وقلبه يعتصر من الألم

عاد الرصافي إلى بيته ولم يستطع النوم ليلتها وراح يكتب قصيدة الأرملة المرضعة كتبت بدموع عيني الرصافي، فجاء التعبير عن المأساة تجسيدًا صادقًا لدقة ورقة التعبير عن مشكلة اجتماعية (الفقر والفقراء).

*************************

كلمات القصيدة

لـقيتهـا لـيتني مـا كـنـت ألـقـاهـا …  تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثـوابـهـا رثّـة والـرِّجـل حـافـيـة …  والدمع تذرفه في الخد عيناها

بكت من الفقر فاحمرت مدامعها …  واصفرّ كالورس من جوع مُحيّاها

مات الذي كان يحميها ويسعدها …   فالدهر من بعده بالفقر أشقاها

الموت أفجعها، والفقـر أوجعها  …   والهم أنحلها والغم أضناها

فمنظر الحزن مشهود  بمنظرها …   والبؤس مِرآة مقرون بمَرآها

تمشي وتحمـل بالـيسرى وليدتها …   حملا على الصدر مدعومًا بيُمناها

تـقـول يـا رب لا تترك بـلا لبن  …   هذي الرضيعة وارحمني وإياها

كـانت مـصيبتها بـالـفقـر واحدة  …   وموت والدها باليتم ثنّاها

هذي حكاية حال جئت أذكـرهـا  …   وليس يخفى على الأحرار مغزاها

*************************

وتُعدّ هذه القصيدة من روائع الشعر العربي في عصر النهضة؛ من روعتها ولتعدد الصور الوصفية المؤثرة في نفوس النبلاء.

وللأسف.. كأنها تصور حالة وضعنا الحالي.. ونسأل: هل سنبيع أدوات ومقتنيات لنأكل؟!

الحمد لله، الأمل بالله أكبر، وبأن وطننا وكرامتنا وقناعتنا وإيماننا ليست للبيع، والله لن ينسانا.

اللهم إنا نستودعك وطننا وشعبه واحباءه.

بقلم/ أ. خالد بركات

مقالات ذات صلة

‫51 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى