إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

فهد ردَّة .. عَرَّاب المسرح السعودي

في العالم العربي نجد أنَّ إطلاق الألقاب على المشاهير والمبدعين – سواء كانوا أصليين أم مصنوعين – غدى مجانيًّا، وأسرف فيه القوم أيَّما إسرافٍ، حتى باتت هذه الظاهرة شاهد عدل لمن يزعم أن العرب مجرد ظاهرة صوتية.

جالت هذه الفكرة ببالي وأنا أضع عنوان هذا المقال خشية أن أكون من أولئك -رغم أني لست أوَّل من أطلق اللقب- لكني أيقنت بعد طول تمعنٍ، وكثير تأملٍ، أنَّ إطلاق لقب (عَرَّاب المسرح السعودي) على (فهد ردة الحارثي) إطلاقٌ مستحقٌ له ما يبرره ويعضده من تاريخ هذا الرجل، ومن سيرته الذاتيَّة الحافلة للعطاء، وكذلك من نتاجه المسرحي تأليفًا وإخراجًا، من شهاداتٍ وإشاداتٍ، ودراساتٍ جامعيّة وأطروحاتٍ أكاديميّةٍ، وأيضًّا ما حظيت به أعماله المسرحيّة المختلفة من حضورٍ وجوائز، وإطراءٍ ونقاشٍ، ونقدٍ على المستوى المحلي، وأيضًا على امتداد مساحة الوطن العربي من (الشارقة) شرقًا إلى (أصيلة) غربًا، ناهيكم عن قيادته وإدارته الفريق المسرحي العامل معه، وانتهاء بعضوياته الفاعلة في عدد من المؤسسات واللجان والمهرجانات المسرحية.

ففي مجال (التأليف المسرحي) قام الحارثي بكتابة ما يقارب الخمسين نصًّا مسرحيًّا للكبار والصغار؛ وجميع تلك النصوص المميزة حملت بصمته الفريدة، وفي ظل الشكوى المتكررة من ندرة وجود النص المسرحي محليًّا وعربيًّا وحتى عالميًّا، فإن هذا الزخم من النتاج المسرحي يحمد لصاحبه، ويزيد من أسهم حضوره مسرحيًّا، ويعزز من تفرده لاسيما وأنَّ نصوصه متطورةٌ يتجاوز التالي منها سابقه جودةً واتقانًا، ويمضي لمسافاتٍ أبعد في التجريب بوعيٍ وعمقٍ.

ومن هذه المسرحيات: (العرض الأخير- سفر الهوامش – يوشك أن ينفجر- يا رايح الوادي – بيت العز – شدت القافلة – النبع – البابور – أنا مسرور يا قلعة – زبن خليك رجال – الفنار – البروفة الأخيرة – المحتكر – لعبة كراسي – بازار – عصف – الناس والحبال – أبناء الصمت – حالة قلق- رحلة بحث – أريد أن أتكلم – كنا صديقين)، إضافة إلى عدد من الأعمال الخاصة بالأطفال.

يقول “الحارثي” واصفًا تنامي تجربته في التأليف المسرحي التي أشرت إليها آنفا: “عندما كتبت مسرحيتي الأولى «يارايح الوادي» استخدمت شكل المسرح الملحمي، ثم خلطت بين المسرح الملحمي ومسرح الحكواتي ومسرح القسوة في مسرحيتي الثانية «النبع»، وبعد ذلك في مسرحيات «البابور، أنا مسرورٌ يا قلعة، الفنار، والبروفة الأخيرة» كان للتجريب دورٌ كبيرٌ في تكوين هذه الأعمال)*.

أما في مجال (الإخراج المسرحي) فمن أبرز أعماله إخراجًا، مسرحيات (الراوي، رحلة الكشاف ميمون – للأطفال-، وعازف الكمان).

وعن (إدارة الفريق المسرحي) يجدر بنا الحديث عن فريق (ورشة العمل المسرحي) التي كان أحد مؤسسيها قبل أكثر من ربع قرن وتحديدا في 7-1-1993م. وهو الأب الروحي لها منذ التأسيس وحتى الآن، وحظيت وما زالت هذه الورشة بشرف تمثيل المملكة في معظم المهرجانات المسرحية في مختلف أقطار العالم العربي.

وكان حضورها ومشاركاتها محليًّا وعالميًّا قويًّا بما يكفي لانتزاع التقدير والاعجاب، ومُدَوِيًّا لنيل الجوائز والشهادات؛ ولعلَّ من أهمها جائزة الإخراج في المهرجان الأردني المسرحي الخامس عن مسرحية (سفر الهوامش) للمحترفين رغم أن أعضاء الورشة جلُّهم من الهواة.

وصفت أنا -كاتب هذه السطور- الحارثي ذات تكريمٍ له بأنَّه يتقاطع ويتشابه مع كلمات الأمير (بدر بن عبد المحسن): “أرفض المسافة والسور والباب والحارس”! إذ تخطى معضلة عدم توفر النص المسرحي بتكثيف نتاجه الشخصي تأليفًا، وبمساعدة وتشجيع زملائه على تأليف نصوصٍ وفق احترافيَّةٍ معيَّنةٍ، وبعد تزويدهم بجرعات معرفيَّةٍ نظريَّةٍ وعمليَّةٍ في فن التأليف المسرحي، وتقديمه ورش عمل متخصصةٍ لهذا الأمر، ولم يجعل الكثرة تأتي على حساب الجودة والنوعيَّة.

وفي ظل عقود من السنوات غاب أو غيب فيها العنصر النسائي من الحضور على خشبات المسرح في السعودية، -تغير الحال الآن- تجاوز “فهد ردة” ورفاق دربه بوعيٍ وذكاءٍ هذه المشكلة؛ وقدموا أعمالًا، راعت تأليفًا ومعالجةً، الكينونة الإنسانية التي تتجاوز المذكر والمؤنث، القريب والبعيد، المواطن والمغترب. إنِّها للإنسان وعن الإنسان دونما تأطيرٍ في جنس أو تخصيصٍ بشكل أو أيِّ هوية كانت.

كما تجاوز فهد وفريقه عوز التمويل المادي المؤسساتي بالدفع من جيوبهم، وتقليص النفقات، وحسن إدارة المتوفر؛ مما ساعد على استمرار وديمومة هذا الفريق وتنامي عروضه.

ويشهد على ذلك أن القاعة التي يتدربون فيها، ويقدمون عروضهم قاعة بسيطة الإمكانات وصفها أحد الأكاديميين ذات مرة بــ (الصندقة)، وإذا كانت منصات المسارح في العالم كلّه من خشبٍ، ألا إنَّ منصتهم من خرسانةٍ مسلَّحةٍ (صبَّةٍ)، وكأنَّها تزكيةٌ رمزيةٌ لهم بالثبات وشهادةٌ بالرسوخ والديمومة رغم كل العقبات.

واعتمد فريق هذه الورشة كثيرًا على تقنية المسرح الفقير الذي لا يكلف كثيرًا من ناحية الملابس والديكور والإكسسوارت والإضاءة والصوتيات ونحو ذلك.

والجوائز التي نالته أعماله وأعمال فريقه أكثر من أن يتسع المجال هنا لسردها، ونذكر منها على سبيل المثال:

– مسرحية (تشابك) وهي من تأليف فهد ردة وإخراج أحمد الأحمدي حصلت على جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل في مهرجان (الشارقة للمسرح الخليجي)، بالإضافة إلى جائزة أفضل نص مسرحي وأفضل ديكور.

– جائزة الإخراج في المهرجان الأردني المسرحي الخامس عن مسرحية (سفر الهوامش) التي أشرنا أليها سابقا، وقد قال عنها الحارثي: (هي الثمرة التي تأخرت كثيراً، وكنا نقترب منها أكثر من مرة، ولعل فرحنا بالجائزة يكمن في أنها أول جائزة مسرحية تمنح لعرض سعودي في مهرجان للمحترفين وللأسماء المهمة التي كانت تقدم أعمالها معنا من العراق وسوريا والأردن ومصر وفلسطين والمغرب والجزائر وتونس)**.

وفازت أعماله كذلك بجوائز مختلفة في مهرجانات (شرم الشيخ) بمصر و (أوال) بالبحرين و (الدن) بعمان وغير ذلك كثير.

وقد نالت مسرحيات (النبع – البابور – الفنار – البروفة الأخيرة – المحتكر – عصف – الناس والحبال) جوائز أفضل عرض مسرحي في عدد من المهرجانات المحلية..

كما أنه حصل على جائزة المفتاحة لأفضل نص مسرحي عن مسرحية (عصف) 1423هـ. كما حصلت المسرحية على جائزة الجنادرية لأفضل نص مسرحي لعام 1424هـ.
وحصل على جائزة أفضل نص مسرحي عن مسرحية (سفر الهوامش) في مهرجان الجنادرية لعام 2006م.

ونادرًا ما يعود فهد ردة ورفاقه من أيِّ مشاركةٍ محليَّةٍ أو عربيَّةٍ صفر الأيادي من جوائز رئيسة وثانويّةٍ تحصدها بجدارةٍ واستحقاقٍ أعمالهم المسرحيَّة.

وإيمانا من فهد ردة بدوره التنويري ورسالته النبيلة تجاه المسرح والمسرحيين قام بتأليف عدَّة كتبٍ تحمل نصوص مسرحياته؛ قال عنها الناقد الفني الأستاذ (خالد ربيع): “تعد إضافةً قيِّمةً للمكتبة والمسرح العربيين، وهي تكاد تختصر مشواره الفني في العمل المسرحي الممتد إلى قرابة الربع قرن، إذ يقف القارئ على بعض من نصوص مسرحياته التي كتبها ونفذها خلال مسيرته الفنيَّة، وهو إذ يؤطرها ضمن كتبٍ فإنَّه لا ينشرها هكذا ويمضي، بل يقدم لكل عملٍ اشتغل عليه بما يوثق رؤيته الفنية ونظرته الفلسفية، في طرح معرفيٍّ متداخلٍ مع ثقافته المسرحية وأحلامه التجريبيِّة ومنجزاته الواقعيِّة على خشبة المسرح، وهو ما يتيح للأجيال القادمة من الفرق المسرحيِّة الناشئة إمكان إعادة تنفيذها مجددا)***.

وقد فاز أحد كتب الحارثي؛ (الجثة صفر) بجائزة وزارة الثقافة للعام 2016م. وفي العام الذي سبقه منح نادي مكة الأدبي جائزته للإبداع للحارثي وذلك عن نصوصه المشاركة في الجائزة، ولدوره في خدمة الحركة المسرحيِّة في المملكة العربية السعودية.

أخيرًا وليس أخرا نفذت بعض أعمال الحارثي في عدد من الدول العربية، وساهم هو في إقامة عددٍ من الورش الكتابيَّة المسرحيَّة.

لهذا كله وغيره أرى أنَّ فهد ردة الحارثي جدير بلقب (عَرَّاب المسرح السعودي)، وخليق بمن يريد أن ينقش اسمه بمداد من نور في عوالم المسرح المهيبة أن يثري من هذه التجربة المختلفة كمًّا ونوعًا.

———————————————————————————————————————

*  صحيفة  الحياة السعودية 28 – 8 – 2010م

** صحيفة اليوم السعودية 7-2- 2007م

*** المصدر الأول.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️??

الكاتب والمترجم/ خلف بن سرحان القرشي

#خلف_سرحان_القرشي 

السعودية – الطائف – ص. ب 2503  الرمز البريدي 21944

ايميل:  qkhalaf2@hotmail.com

تويتر @qkhalaf

مقالات ذات صلة

‫52 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى