إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

شبح الانتحار والانتصار (ج١)

حادث قد يغير قدرًا.. وهذا ما حدث مع ليلى، تلك الفتاة الجميلة المدللة من أبيها وأمها، فهي أيضا محبوبة من الجميع لما تتسم به من ذكاء ورقه وجمال، فتاة في العاشرة من عمرها تتسم بذلك الأدب الجم الذي يجعل كل تصرفاتها وهدوئها كنسمة رقيقة معطرة برائحه الورد والياسمين.
في يومٍ ما حيث بدأت القصة.. كانت ليلى كعادتها تلعب بدميتها وتداعب أباها في السياره أثناء القيادة، لكن والدتها تظل توبخها، فتستمع لوالدتها تارة وتضحك تارة أخرى وتعود لإطلاق النكت وممازحة أبيها.

في هذا اليوم حدث ما لم يكن بالحسبان، حيث انحرفت السيارة لترتطم بشاحنة.

أفاقت ليلى بعد الحادث المروع بثلاثة أيام وهي تصرخ وتبكي بشدة وتسأل عن أمها وأبيها، لم تستطع النهوض من السرير؛ فقد فقدت إحدى قدميها ولتعلم لاحقا بوفاة والدتها.
بعد مرور عدة أشهر على هذه الفاجعة تعايشت ليلى مع إعاقتها ومع كل ما استجد في حياتها، فقد تزوج والدها امرأة تكبره بثلاث سنوات، لم تكن زوجة الأب الرؤوم، كما جلبت معها لمنزل أبيها فتاتين من زواج سابق كلاهما تكبران ليلى.

عادت ليلى لمدرستها وصويحباتها، ولكن لم يعدنَ كالسابق بل أصبحن يسخرن منها وينعتنها بالمعاقة ويتعمدون إسقاطها من العكاز الذي كانت تستعمله ليساعدها على المشي، فتسقط حينًا بشكل سهل وحينًا ترتطم بحجارة الأرض التي تدمي جزءًا من يديها المتشبثة بالعكاز وربما وجهها.. وكل مرة يبتعدن عنها وعن آلامها مع صوت الضحكات التي تخترق روحها وكأنها رصاصة لا ترحم.

ونفس الوضع تجده ليلى من بنات زوجة أبيها، فهي تظل قابعة في غرفتها لا تخرج إلا لتتناول الطعام في المطبخ بعد تناول زوجة أبيها وبناتها لطعامهم في الأيام التي يسافر والدها فيها لخارج مدينتهم طوال النهار بسبب العمل؛ فيعود والجميع قد خلد للنوم، فوالدها تغير بعد الحادث؛ أصبح يعمل أكثر ويتحدث معها قليلا، لم يعد ذلك الأب الحاني المزوح، بل أصبح رجلًا مكتئبًا، جامد العواطف، لا يكترث لها ولا لدموعها التي تنهل منها بعد يوم مضنٍ تلقت فيه الضرب من زميلاتها أو من بنات زوجة أبيها أو من فتيات في حارتها.

وككل الأيام كانت هذه المرة ليلى على أرض ساحة المدرسة تبكي وتصرخ بمرار،، وعدة فتيات ينهلن عليها ضربًا وركلا حتى تدمى فاها وتلطخت ملابسها ببعضه، وانطلقن هربًا بعيدًا عنها حين رأين عاملة من عاملات النظافة في المدرسة تنظر لهن وتقترب منهن وهي تصرخ: ما هذا.. ما الذي يحدث؟

اقتربت منها عاملة النظافة وهي فزعه لتصرخ وتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.. ما هؤلاء البنات الشقيات.

واستطردت وهي تساعد ليلى على النهوض: يا إلهي ماذا حدث لك يا بنيتي؟.

لكن ليلى لا تقوى على النهوض، فتنادي العاملة على زميلة لها لتساعدها في حملها للعيادة.

ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها ليلى لهذا العنف، لكن المرات السابقة كن الفتيات يعتدين عليها في جزء جانبي من ساحة المدرسة.

وكل الأيام متشابهة.. تعلو منها صرخة تلو صرخة وهي تتلقى الصفعات الواحدة تلو الأخرى من زميلاتها في المدرسة أو فتيات الحارة، وفي كل مرة تسقط تظل مُسجاة على الأرض تبكي بكاءً مريرًا، وقدماها تؤلمانها، وفمها وأسنانها تنزفان دما، لكنها تأتي على نفسها وتقوم بكل صعوبة لتتغلب على ضعفها. وكل مرة يتم التحقيق مع الطالبات ولكنهن ينكرن ذلك وتموت القضية في مهدها.. خاصة أن أبيها مشغول عنها ولا يرد على هاتف المدرسة، وزوجة أبيها لا تكترث لما يحدث لها فهي مشغولة بالزيارات والتسوق والحفلات.

فكرت ليلى أكثر من مرة بالانتحار، وإنهاء حياتها البائسة، ربما تمنت أنها لم تستيقظ قط بعد هذا الحادث، ولم تعش هذا الذل والهوان.. فهي الآن في الثالثة عشر من عمرها وظلت تعيش خلال ثلاث سنوات في معاناة أن كل من حولها يغتصب أحلامها وآمالها، وهي لاحول لها ولا قوة سوى البكاء و النواح ولعن حظها.

تكاد بالوهم أن ترى والدتها المتوفاة وهي تدافع عنها بكلتا يديها لتمنع عنها هذا العذاب وهذه القسوة، وتحميها وتذرف الدمع على حالها.

فقد غشّى جسدها الهزيل تلك البقع الحمراء والخضراء وتتحول إلى كدمات أرجوانية. ربما كان أقسى أنواع الوجع ليس تلك الآلام المبرحة التي تسري في بدنها بل وجع الروح والحرمان وكأنها تطعن في صدر الأمان، حين تدوي كلماتهن نحوها بـ: (أيتها المعاقه.. أيتها المشوهه.. لم تعودي تستطيعين الجري وكأنك عجوز، أغربي عنا فشكلك لا يعجبنا).

كلمات تمزق روحها المثقلة وتحرق ما تبقى من مراهقتها. تأنُّ وتصرخ روحها المنكسرة المحطمة الممزقة، سوى من أشلائها، لتصطدم بحاجز الخوف فتأد الصرخة قبل نفادها.

وفي إحدى محاولاتها الفاشلة للانتحار داخل دورة مياه في مدرستها تمكنت العاملة التي كانت تحملها مرات وتساعدها بعد كل نوبة عنف تتلقاها أن تنقذها في اللحظة الأخيرة.
لذا بدأت بجلسات من الإرشاد الطلابي مع المرشدة الطلابية، أستاذة بسمة، التي في أول محادثة معها قالت لها: “ما بكِ يا ليلى، لماذا تريدين الانتحار والحياة جميلة أمامك، ما مشكلتك ياعزيزتي؟

بقلم/ نهى عبد الله الجابري

مقالات ذات صلة

‫81 تعليقات

    1. تجعليني انبهر مما تكتبين قصص رائعه دوم في تقدم ي نهى استتمري ي حبيبتي مبدعه دوم ♥️

  1. قصة جميلة ؤرائعة ورايقة وحالمة تنساب كلماتها كالماء في الجدول شاكرين لك حبيبتنا استاذة نهى وننتظر المزيد والمزيد ونتمنى لك التوفيق والسعادة والأربعاء للأعلى

  2. قصة جميلة ؤرائعة ورايقة وحالمة تنساب كلماتها كالماء في الجدول شاكرين لك حبيبتنا استاذة نهى وننتظر المزيد والمزيد ونتمنى لك التوفيق والسعادة والأربعاء للأعلى

  3. كلمات في غايه الرووووعه والعذوبه اهنئك علي جمال الكلمات استوقفتني كلمه فكرت ليلى اكثر من مره في الانتحار وانهاء حياتها البائسة ربما تمنت انها لم تستيقظ قط بعد هذا الحادث ولم تعش هذا الذل والهوان أحزنتني اللهم ارحم ضعفنا وحالنا قصه جدا جميله ومشوقه

  4. ابدعتي بمعنى الكلمه الله يوفقك ويسر امرك ويسهل خطاك استمري ننتظر ابداعك بكل حب🤍🤍

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى