إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

شبح الانتحار والانتصار (ج٢)

ظلت المرشدة توجه الأسئلة لليلى لكنها لم تجب ليلى بل اكتفت بالنظر المباشر بلا مبالاة إلى النافذة وسقف غرفة المرشدة: “اعتبريني مثل أمك، أو ربما شقيقتك الكبرى”.

لم تكترث ليلى لما قالت المرشدة آنفا.. هنا باغتتها المرشدة بجواب استفزازي:

– هل لأنك تشعرين بالعجز والضعف؟
– هل تشعرين بأن الكون ضاق عليك مع اتساعه وعظمته؟.

أردفت المرشدة وهي تنظر مباشرة إلى عيني ليلى بكل حدة، انظري إلى وجهي.. هل ترين هذا العلامه على جبيني؟، كنت مثلك وبعمرك، وكان البنات ينعتوني بالبشعة والمشوهة بسبب آثار عملية جراحية أجريت لي وأنا طفلة، كان ذلك يحزنني كثيرًا؛ حتى فقدت ثقتي بنفسي، عشت فترة من الوحدة والعزلة، ولكن مع الأيام تصالحت مع نفسي وأصبحت أرى تلك الندبة ميزة لي.
لذا، تخصصت بعلم النفس وحصلت على الدكتوراة في موضوع (التنمر) الذي تذوقينه.

أرجوك يا عزيزتي ان تحاربي التنمر بالطموح والنجاح والسعي لتحقيق الأهداف، هذا أنا فأين هم المتنمرات عليّ في طفولتي؟

نظرت ليلى لوجه المرشدة ورأت الندبة واضحة وقد شوهت الندبة وجهها.. أطبق الصمت على المكان وانشغلت المرشدة بأعمالها وظلت ليلى ساكنة تفكر إلى أن دق جرس انتهاء المدرسة.

خرجت ليلى من غرفة المرشدة يتملكها شعور من الأمل والأمان، وحين كانت عائدة لبيتها رأت شابين مفتولي العضلات يخرجون من صالة رياضية، يسيران بكل ثقة وهيبة وعليهما علامات القوة والمَنَعة.
اقترب منهم اربعة رجال أكبر منهم وتحدثوا معهم وحدث شجار وضرب ولَكْم، أنهاه الشابان بأن تكوم الرجال الأربعة فوق بعضهم بأسوأ حال.

عند وصولها للمنزل، هرعت سريعًا لحجرتها وألف سؤال وسؤال يدور في رأسها والأفكار تتسارع في داخلها الذي أُثقل بالآلام والأوجاع.
جلست على طاولتها أمام حاسوبها لتبحث عن طريقة للدفاع عن نفسها وتكون قوية، ولها ذلك، فاليوتيوب غني بالفيديوهات بهذا المجال.

قررت أن تكون فتاة أخرى حصرت نفسها في غرفتها، وطلبت من والدها أن يكتب خطابًا للمدرسة أنها سوف تدرس بنظام الانتساب فتدرس في منزلها وتحضر للمدرسة فقط فترة الاختبارات.

كل يوم كانت تتدرب وتقوم بتطبيق عدة حركات وتكنيكات، كان هدفها فقط الدفاع عن نفسها، لكنها بعد التدريب الذاتي منها شعرت بأنها قوية فذهبت لما هو أبعد.

ها هي تقف بصلابة على عكازها الآن، تريد أن تضرب وتبطش وترد الصاع صاعين لكل من ساهم في هذا الوجع العميق الذي انتزع منها كل براءة الطفولة، وجمال المراهقة، فأصبحت تتدرب على أقوى حركات الكاراتيه ممزوجة بتدريبين من الكونغ فو.

بعد ثلاثة أشهر من التدريب المستمر ليلا، أشرقت شمس جديدة في حياتها، لم يكن يومًا جديدًا فحسب فهو يوم سيحول المجلود إلى جلاد.

في ذلك اليوم ذهبت إلى المدرسة لتؤدي اختباراتها، تمشي بكل ثقة، لم تكن خائفة كعادتها، كما لم تعد تمشي مشية المنكسرة الهلوع.

دلفت من باب المدرسة ومشت إلى منتصف الساحة وبعض الفتيات ينظرن إليها ويرددن بكل سخرية رجعت للمدرسة المعاقة العجوز.

اقتربت منها نورة لتسحب منها عكازها.. ودفعتها نورة، لم تسقط هذه المرة، بل سددت لكمة قوية لوجه نورة مباشرة؛ فسقطت نورة.

حاولت سعاد أن تفعل ما فعلته نورة، فقامت ليلى وانهالت عليها بالضرب بواسطة عكازها حتى أسقطتها قرب نورة.
محاولات من فتيات المدرسة للنيل منها كالسابق لكن أكثر من خمس منهن أسقطتهن ليلى ما بين عاجزة عن النهوض وفتاة تنزف أسنانها دمًا وأخرى مجروحة في رأسها.

الكل مذهول وخائف، بينما ليلى تفف بكل ثقة وشعور النصر والفخر بنفسها يخرج مع أنفاسها وخلال ضحكاتها الساخرة وقد اشتعل صدرها بنار الانتقام.

خلال فترة الاختبارات ظلت تستدرج الفتيات الأصغر سنا لضربهن والتنكيل فيهن وترهيبهن بالأخص شقيقات زميلاتها المتنمرات عليها سابقًا حتى نالت من الجميع.

حتى في المنزل كانت تنتقم من زوجة أبيها وبناتها بلكمات تسددها لكل من يدخل غرفتها أو بحرق أيديهن بملعقة تقوم بتحميتها على النار ، حتى أخيها الذي أنجبته زوجة أبيها قامت بقطع أحد أصابعه.

بنات الحارة تستدرجهن وتتعمد أن تغرقهن بوضع رؤوسهن في البانيو وتضربهن بكل عنف وقسوة، فلم تعد للرحمة في قلبها مكان.

في إحدى المرات رأتها المرشدة وهي تضرب طالبة صغيرة وتشوه وجهها الجميل بأظفارها وتشد شعرها، سقط جزء منه في يدها. أخذتها المرشدة لمكتبها، واتصلت بجوال أبيها لم يرد كعادته فهو لا يهتم مطلقا.

عندها دار هذا الحوار:
المرشدة: ما مشكلتك يا ليلى؟ لماذا تضربين هذه الفتاة المسكينة؟ أنتِ من كنتِ تشكين من ضرب صديقاتك لكِ؟

أجابت بالنفي: لم أضربها

المرشده: قولي لي ما بكِ، وأعدك أن أساعدكِ.

لم تكترث ليلى.. فقد كانت تنظر نحو أظفارها التي تشبه مخالب القطة وقت تلوثت بالدماء.

باغتتها المرشدة بجواب استفزازي

هل اعتبرتِ أن العنف والبطش قوة؟ فاعتبرت أن العنف سبيل لإخفاء العجز؟! وأن معاملة الآخرين بالمثل انتصار ونجاح؟!

أرتبكت ليلى.. فأردفت المرشدة: انظري إلى هذه الفتاة الصغيرة، إنها تشبهك حين كنتِ تتلقين الضرب من زميلاتكِ، إنها بلا حول ولا قوة، مثلك سابقًا، والآن أيضًا.
وبصوت كله حدة وغضب استكملت المرشدة حديثها: هذه الصغيرة الآن تعيش نفس ما عشته أنتِ، وستكبر وتتمرد على نفسها ومجتمعها مثلك؛ فالعنف لا يولد سوى العنف، والحقد لا يولد سوى الحقد، ومن يؤذي الناس لن يوفقه الله، والنجاح لا يكون بهذا المستوى.

عندها نزلت دمعة من عيني ليلى وهي تنظر للفتاة الصغيرة، دمعة مختلفة عن أي دموع ذرفتها سابقًا، دمعتها هذه المرة دمعة ندم وتأسف وحنو على الفتاة الصغيرة، وبدأت بتصميم وعزيمة لتكون هنالك حكاية أخرى.

سعت المرشدة من أجل حصول ليلى على طرف صناعي بدلا من العكاز، بعد العديد من التقارير تمت الموافقة.
وكانت بسمة المرشدة بمثابه الأم الروحانية لها بعد انتهاء الفحوصات والتحاليل اللازمة، قرر في ذلك اليوم وعند الساعة ١٠.٣٠، إشراقة شمس جديدة لحياة ليلى البائسة؛ حيث دخلت غرفه العمليات للتخدير ثم استعداد للعملية الكبرى، وما بين صحوة وأحلام، كانت ترى وجه والدتها المشرق لتطمئنها بنجاح العملية.

وعادت للمدرسة للدراسة دون انتساب والتحقت بفريق المدرسة لألعاب القوى وشاركت في بطولات بلادها في ألعاب القوى، فأصبح اسمها مشهورًا، وحققت إنجازات ونجاحات عالمية تُحسب للوطن، وأصبح اسمها يملأ الصحف، وكذلك صورها ولقاءاتها في جميع محطات التلفاز وقنوات التواصل.

والدها الذي كان غافلًا عنها، والكآبة واليأس يحومان حوله، الكل أصبح يرى انفراج أساريره وهو ينتقل بسبب العمل من بلد لآخر، حين يرى صورتها تعتلي الشوارع في كل مكان وقد كُتب اسمها (ليلى سعيد) بطلة العالم في ألعاب القوى.

بقلم/ نهى عبد الله الجابري

مقالات ذات صلة

‫61 تعليقات

  1. كعادته ابظعت وعشنا مع قصتها بألم وفرح وانتصار هنيئا لك بهذا الأسلوب الرائع شكرا لابداعك يااختي نهى وفقك الله

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى