11المميز لديناالأدب والثقافةفن و ثقافة

أمسية بلاغية في صالون د. العصيمي

أقيمت مساء الأمس الثلاثاء في تمام التاسعة مساءً الأمسية البلاغية “النص من الإنتاج إلى التأويل” في صالون الدكتورة القديرة لطيفة العصيمي، وذلك عبر التطبيق الإلكتروني زووم ZOOM.

وتناولت الأمسية الفرق بين البلاغة الإنتاجية والتأويلية، وتحليل تعريفات البلاغة عند القدماء.

حيث ابتدأت الدكتورة لطيفة العصيمي حديثها عن علم البلاغة وقالت إنه يهدف إلى خدمة علوم العربية كافة، ولا نقول بلاغي لمن يبحث عن الصور البلاغية فحسب؛ فنحن نسعى إلى تعريف البلاغة مجردة عن جولات الأدب.

أما عن علوم البلاغة فقالت العصيمي من حيث الأهمية (المعاني، البيان، البديع) وهذه الأقسام على خط أفقي وليس عمودي؛ وذلك رد على من يقول بأن علم البديع ما هو سوى زخرفة البلاغة!
فجميعهم مكملين لبعضهم، بل علم البديع يحتوي على إشكاليات عدة غير موجودة في علمي المعاني والبيان.

وتطرقت في حديثها عن البلاغة النقدية قائلة:
إنّ حصر البلاغة في أجناس أدبية فقط يضعف من صور البلاغة؛ فلا يشترط لناقد الرواية مثلًا أن يكون بلاغيًّا، ولا يشترط أن يكون شاعرًا ليلقي شعرًا، ولكن في البلاغة النقدية لا بد أن يكون ناقدًا أدبيًّا؛ فالأدب يستخدم أدوات البلاغة، ولكن يجب الالتفات إلى أن القدرة على تنظيم الصور البلاغية ليست هي تنظيم النص الأدبي، فالنص الأدبي بالطبع ينتج صورًا بلاغية لكن البلاغة علم مركب، ولها جانب تداولي تحكمه علامات اجتماعية ونفسية وثقافية.

فالإنتاج والتأويل هما جناحا البلاغة، لا يتم أحدهما إلا بالآخر.

وذكرت الدكتورة لطيفة العصيمي في أثناء حديتها بعض أقوال العلماء في تعريفات البلاغة ومنهم:

المبرد:
إن عامة كلام العرب تشبيه؛ وبالفعل العقل البشري بطبيعته يزبط بين الأشياء والنظائر، فإذا رأينا شخصًا يشبه أحدًا نعرفه نقول هذا الشخص يشبه فلان.
والتشبيه يعد من أسس مباحث البلاغة، ومن أسس الكلام عند جميع الشعوب.

السكاكي:
“البلاغة مفتاح العلوم”
وهنا ننقاد إلى سؤال حتى علم النحو يقوم على البلاغة؟!
نعم؛ فالإعراب هو فرع المعنى، ولا يتم الإعراب سوى بفهم المعنى والدلالات، فالمسؤول عن المعنى هي البلاغة.

عبد القاهر الجرجاني:
“مطابقة الكلام لمقتضى الحال”.

كما أوضحت الدكتورة لطيفة عدة نقاط:
1. أن الصور البلاغية من تشبيه، استعارة، كناية، مجاز يصاحبها سياق اجتماعي وثقافي، بل ونفسي من القائل.
فعلى سبيل المثال في مبحث الكناية نجدها تتأثر بالأزمان لكن المعنى واحد:
فقديمًا كان يقال “فلان جبان الكلب”
وهي كناية عن الكرم
كانت مفهومة قديمًا منذ آلاف السنين، لكن الآن تدعو للتعجب وعدم الفهم، لكن في العموم صورة الكلب الذي يحرس ما زالت حية ومعروفة.

وهنا تعود الدراسة إلى السياق الاجتماعي وما يصلح في زمن قد لا يصلح لآخر!
وأيضًا نستند إلى تحليل النص المكون من كلمات ناشئة عن طريق عوامل أدبية وخبرات سابقة ومخزون ثقافي وتفكير ذهني يقوم به المتكلم قبل القول.

أما مقتضى الحال يعني أحوال المخاطبين، وبالتالي يحتاج النص إلى توجيه ونقد قبل اللفظ به.
فإذا كان هناك خلل في الإنتاج يكون هناك خلل في التأويل.

وضربت مثالًا على ذلك، الأبيات التي قالها المتنبي في حضرة سيف الدولة الحمداني:
وقفت وما في الموت شكٌ لواقف … كأنك في جفن الردي وهو نائم.
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة … ووجهك وضاح وثغرك باسم.

وهنا أنكر سيف الدولة على المتنبي أنه ألقى عجز البيتين على صدريهما؛ عكس الشطرين الأخارى
فمن وجهة نظر سيف الدولة أن يقول:
وقفت وما في الموت شكٌ لواقف … ووجهك وضاح وثغرك باسم.
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة … كأنك في جفن الردي وهو نائم.
والشاهد هنا:
أن البلاغة الإنتاجية للمتنبي قابلتها البلاغة التأويلية، ولعل هذا ما دفع الآخرون إلى قول أن المعنى في بطن الشاعر، فملكة التأويل تأتي مع الممارسة والعيش مع البلاغة، أما العلم جانب نظري يمكن لأي شخص أن يتعلم.
واستحضرت العصيمي في قصة المتنبي موضوع الخطابة عند جاكسون يقول إن توصيل المعلومات له عناصر هي: (مؤلف – رسالة – متلقي).
فهنا تجد العصيمي أن الخطابة عنده خطًا مستقيمًا والأولى لا.
فالخط المستقيم يعطي دلالة أن الرسالة تصل إلى المتلقي عبر قناة وينتهي دور المؤلف، لكن في الحقيقة المؤلف لا يزال موجودًا، والمتلقي موجود، فلا بد أن نرسمها رسمًا عموديًّا لا مستقيمًا.
فهناك تبادل أدوار، فأثناء التأليف يكون المتلقي موجودًا، ففي أثناء التأليف يكون المتلقي حاضرًا ضمنيًّا وليس بعد التأليف، فهم متصلان ببعضها البعض.

وذكرت مثالا آخر:
ما حدث لإسحاق الموصل عندما بني الخليفة المعتصم قصرًا، وأنشده الموصل:
يا دار غيرك البِلى َمحاك … ياليت شعري ما الذي أبلاك.
فتضايق المعتصم جدًّا، وتطير به وأمر بهدم القصر.
وهنا من المفترض أن يكون السياق مدحًا وتفاؤلًا وعزة وتمكينًا، ولكن الموصل قصد أن يبكي على الأطلال ولكن أخل التعبير (أخل ببلاغة الإنتاج).

ولعل ذلك يرجع إلى أن الشعراء قديمًا، كانوا يهتمون كثيرًا ببراعة الاستهلال، حيث كانت القصائد غير معنونة، بعكس العصر الحديث.

فكان المطلع بمنزلة العنوان، فكانوا يبذلون جهدًا لتحسين القصيدة عن طريق المطلع مما يخل بالمعنى، فأحوال المخاطبين واجب مراعاتها.

وفي نهاية الأمسية أوضحت الدكتورة القديرة لطيفة العصيمي بعض القواعد لمعرفة كيفية التوفيق بين التأويل والإنتاج والتي كان منها:
1. أن تعرف من تخاطب، وتبتعد عن التقعر وغريب الكلام، فذلك ليس من البلاغة.
2. مراعاة الأزمة والظروف الاجتماعية والنفسية للقراء.
3. معرفة أقدار المعاني والموازنة بينها، وتقدير الحالات التي يحدث عنها وجعل لكل حالة مقصدًا ومقامًا.
4. إدراك أن فهم الكلام ليس سهل علي المتلقي؛ فالمعاني تتدافع في ذهن المؤلف.

وقد حضر الأمسية عدد كبير وكثيف من الحضور الذين أعربوا عن استحسانهم للأمسية، مبدين رغبتهم بأن تقام العديد من مثل هذه الأمسيات.

لمزيد من الأخبار تابع صحيفتنا هتون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى