إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

تحية لبيروت وأحبائها

تحية لبيروت وعشاقها، عشاق لبنان.. وتحية لروحهما (نزار قباني وبلقيس)، رحمهم الله ورحم كل الأموات.

 

كلمات حزينة وذكرى أليمة.. اخترت لكم قصة قصيدة: بلقيس معشوقة الشاعر نزار قباني التي شغفت قلبه حبًّا..

بلقيس الراوي (1939-1981): دبلوماسية عراقية، وهي الزوجة الثانية للشاعر العربي السوري نزار قباني، قُتِلت في تفجير السفارة العراقية في لبنان/ بيروت عام 1981.

كانت بلقيس جميلة جدًّا؛ وقد أعجب بها الشاعر نزار قباني عند مشاهدتها في إحدى القاعات التي كان يلقي فيها الشعر عند زيارته بغداد في ستينات القرن العشرين، وعند تقدمه لخطبتها لم يوافق والدها، وغادر نزار العراق خائبًا، وظلت بلقيس تراود أفكار نزار حتى عاد مرة إلى العراق في مهرجان شعري وكتب قصيدة، مطلعها:

مرحباَ يا عراق، جئت أغنيك

وبعض من الغناء بكاء

أكل الحزن من حشاشة قلبي

والبقايا تقاسمتها النساء

فتعاطف العراقيون معه، ومنهم الرئيس العراقي الراحل أحمد حسن البكر الذي ساند نزار حتى وافق والدها بعد ذلك، فتزوجوا في عام 1969، وهي زوجته الثانية بعد طلاقه من الأولى، وقد أنجبت له ولدين، هما عمر وزينب. واستمر زواجه منها حتى العام 1981؛ عندما قُتلت بلقيس في تفجير استهدف السفارة العراقية في بيروت؛ حيث كانت تعمل في الملحقية الثقافية للسفارة.

ففي 15 ديسمبر 1981، فُجِّرت السفارة العراقية في بيروت، وقد تبنى أحد الأحزاب هذا التفجير، ويصف نزار قباني هذه اللحظة قائلًا: “كنت في مكتبي بشارع الحمراء حين سمعت صوت انفجار زلزلني من الوريد إلى الوريد، ولا أدري كيف نطقت ساعتها: يا ساتر يا رب”. وجاء من ينعي إليّ الخبر: (السفارة العراقية نسفوها، وقلت بتلقائية: “بلقيس راحت”).

شظايا الكلمات ما زالت داخل جسدي، أحسست أن بلقيس سوف تحتجب عن الحياة للأبد.. وتتركني في بيروت ومن حولي بقاياه، كانت بلقيس واحة حياتي وملاذي وهوايتي وأقلامي.

وقد نظم نزار قباني قصيدة رثاء تعد من أطول ما كتب لها، وهي قصيدة بلقيس ويقول فيها:

شكرًا لكم.. شكرًا لكم

فحبيبتي قُتلت وصار بوسعكم

أن تشربوا كأسًا على قبر الشهيدة

وقصيدتي اغتيلت..

وهل من أمـةٍ في الأرض

إلا نحن تغتال القصيدة؟!

بلقيس…

كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل

بلقيس…

كانت أطول النخلات في أرض العراق

كانت إذا تمشي

ترافقها طواويسٌ

وتتبعها أيائل

بلقيس..  يا وجعي

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل يا ترى.. من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل؟!

يا نينوى الخضراء

يا غجريتي الشقراء

يا أمواج دجلة

تلبس في الربيع بساقها أحلى الخلاخل

قتلوكِ يا بلقيس

أية أمةٍ عربيةٍ..

تلك التي تغتال أصوات البلابل؟

أين السموأل والمهلهل؟

والغطاريف الأوائل؟

فقبائلٌ أكلت قبائل

وثعالبٌ قتـلت ثعالب

وعناكبٌ قتلت عناكب

قسمًا بعينيك اللتين إليهما

تأوي ملايين الكواكب

سأقول، يا قمري، عن العرب العجائب

فهل البطولة كذبةٌ عربيةٌ؟

أم مثلنا التاريخ كاذب؟

بلقيس..

لا تتغيبي عني، فإن الشمس بعدكِ

لا تضيء على السواحل

سأقول في التحقيق:

إن اللص أصبح يرتدي ثوب المقاتل

وأقول في التحقيق:

إن القائد الموهوب أصبح كالمقاول،

وأقول:

إن حكاية الإشعاع أسخف نكتةٍ قيلت

فنحن قبيلةٌ بين القبائل

هذا هو التاريخ.. يا بلقيس

كيف يفرق الإنسان ما بين الحدائق والمزابل؟!

بلقيس..

أيتها الشهيدة.. والقصيدة.. والمطهرة النقية

سبـأٌ تفتش عن مليكتها.. فردي للجماهير التحية..

يا أعظم الملكات

يا امرأةً تُجسد كل أمجاد العصور السومرية

بلقيس..

يا عصفورتي الأحلى

ويا أيقونتي الأغلى

ويا دمعًا تناثر فوق خد المجدلية

أترى ظلمتك إذ نقلتك ذات يومٍ من ضفاف الأعظمية بيروت

تقتل كل يومٍ واحدًا منّا

وتبحث كل يومٍ عن ضحية

والموت في فنجان قهوتنا

وفي مفتاح شقتنا

وفي أزهار شرفتنا

وفي ورق الجرائد

والحروف الأبجدية

ها نحن.. يا بلقيس

ندخل مرةً أخرى لعصر الجاهلية

ها نحن ندخل في التوحش

والتخلف، والبشاعة، والوضاعة

ندخل مرةً أخرى عصور البربرية

حيث الكتابة رحلةٌ بين الشظية، والشظية

حيث اغتيال فراشةٍ في حقلها.. صار القضية

هل تعرفون حبيبتي بلقيس؟

فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام

كانت مزيجًا رائعًا بين القطيفة والرخام

كان البنفسج بين عينيها ينام ولا ينام

بلقيس..

يا عطرًا بذاكرتي

ويا قبرًا يسافر في الغمام

قتلوكِ في بيروت، مثل أي غزالةٍ

من بعد ما قتلوا الكلام

‏اللهم إنَّا نستودعك لبنان وشعبه، وبيروت وكل أحبائها.. من فارق الحياة ومن هم على قيدها.

اللهم اجعل القادم من أيامنا رضا وسعادة.

بقلم/ أ. خالد بركات

مقالات ذات صلة

‫45 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى