زوايا وأقلاممشاركات وكتابات

العنوان وتبئير النص في النسق السردي لحسين سنونة

كتبت -من قبل- عن المجموعة القصصية ” ثرثرة خلف المحراب ” للقاص السعودي حسين سنونة، وهي لا تختلف عن المجموعة التي بين أيدينا “أقنعة من لحم”؛ في فضح الواقع، وإماطة اللثام عن سلبياته وانحرافاته؛ بينما تبدو هذه المجموعة أكثر نضجًا من سابقتها؛ بما تتميَّز به من إيحائية ورمزية.

ويمثل عنوان إحدى القصص “ملك الموت لا يتكلم العربية” البؤرة التي ترتكز عليه المجموعة؛ لتتحول إلى نص واحد دائري أو حلزوني، فتكون القصة مع العنوان نقطة الارتكاز في قلب الدائرة؛، بينما تدور كل نصوص المجموعة حول هذه النقطة. ويرمز ملك الموت الذي لا يتكلم العربية إلى القوة المهيمنة على العالم، تلك القوة بيدها الموت والحياة، والرفع والخفض، والحرية والقيد، ومن هنا تنفتح المجموعة على عوالم شتى، وأماكن متعددة، فلا تخصّ بلدًا بعينه، أو زمنًا محددًا.

وشخصيات المجموعة شخصيات مأزومة، أو شخصيات مستلبة، وهذه نتيجة طبيعية؛ لسطوة ملك الموت، أو هيمنة القوة التي تفوق كل القوى.

ومن ثم رأى البطل وجهه وجهَ كلب في القصة الأولى “أقنعة من لحم”، ويرى الآخرون وجهه وجه إنسان، وهذا يرمز إلى انعدام الرؤية التي استلبها منه ملك الموت.

ويقف المواطن جامدًا في “ترانيم مواطن لا يتحرك”، ولا تستطيع قوة أن تزحزحه من مكانه، وهذا معادل موضوعي لجمود الأمة العربية أمام حركة العالم المتسارعة.

ويتحول الجمود إلى موت في “ورد وماء”، حيث تموت الزوجة ويعيش الزوج على الذكرى الجميلة، كما تعيش الأمة على ذكرى ماضيها التليد، وتاريخها المجيد.

وتخلق الهيمنة والسيطرة فعل المفارقة؛ فنعاين دولًا تعاني الفقر والجوع، وتنعم الحيوانات في دول أخرى بحياة أفضل من حياة الإنسان في الدول الفقيرة. فالحيوانات تُخصص لها وسادة في الفنادق في نص “الوسادة البيضاء”، أعتقد أنك رأيت الوسادة الصغيرة، إنها خاصة بالحيوانات الأليفة التي ترافق أصحابها.

وتتمدد القطة على الكرسي في المقهى في قصة “آخرون كانوا هنا”، يحكي السرد “كانت عائلة يا سيدي، وكان لديهم هرَّة بيضاء، أجلسوها على الكرسي الذي تجلس عليه أنت الآن”. وفي المقابل يمزق الجوع الأحشاء، ويضني التشرد الأجساد؛ في “إشهار جوع”، فالبطل “يسعى لهدف واحد ونهائي، يراه أسمى من كل ذلك إشباع البطن، ومكان يرمي جثته لينام”.

ويعيش الإنسان في عالمنا القلق والحيرة والاغتراب في “صرخة طينية”، فيتملكه الإحساس بأنك تعيش في زمن لا يشبهك، ولا يرغب فيك”. وبالتالي يحسُّ هذا الإنسان شعورًا بالضعف والتقزم أمام الرمزية الكامنة في سطوة ملك الموت، أو القوة المهيمنة في نصيْ “أشتاق للعناق فأستيقظ”، و “كوري في تاروت”؛ فيضعف الزوج أمام سطوة الزوجة وهيمنتها في النص الأول، على حد قوله: “هذه الممددة أمامي الآن مَنْ يراها نهارًا في البيت تعطي الأوامر هنا وهناك”.

وتبدو هيمنة العلم، وسيطرة الصناعة في النص الثاني، وتتجلَّى تلك الهيمنة جلية في قول بطل القصة العربي واصفًا الذات العربية تجاه الآخر الكوري: “هو ضخم، وأنا ضعيف القامة”.

والعنوان البؤرة بسيطرته وهيمنته، خلق الصراع العربي الصهيوني، وتمثل القضية الفلسطينية بؤرة الصراع؛ فكان للقضية نصيب في قصة “مجرد رسالة من عجوز”، وقصة “فلس.. طين “، وتجلَّى الصراع في النص بين البطل/ التلميذ، ومدرس اللغة العربية الذي كتب على السبورة كلمة “فلسطين”، وفصل بين حرفيْ السين والطاء، فأصبحت “فلس.. طين”، وبعد أن رفع إصبعه، قال: هذه فلسطين، هي فلس وطين”. فخرج التلميذ من المدرسة محطمًا زجاج سيارة المدرس، إن البطل ينعي مع نزار الأفكار التي قادت إلى الهزيمة.

إن العنوان “ملك الموت لا يتكلم العربية”، تسرب في القصة، وهيمن على كل نصوص المجموعة، فالتفَّتْ حوله حتى أضحت المجموعة نصًّا واحدًا متماسكًا لفظًا ودلالة، شكلًا ومضمونًا، سبكًا وحبكًا.

بقلم/ أ.د. محمد عبد الرحمن عطا الله

مقالات ذات صلة

‫48 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى