إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

يا بدر

قراءة نقدية من الشاعر والناقد أ. يحيى معيدي لقصيدة (يا بدر) للشاعرة/ منى البدراني.

من حسن حظي -أثناء تصفحي لليوتيوب- وجدت هذا النص الباذخ لخنساء المدينة الشاعرة/ منى البدراني.

جذبني النص بروعته وفنيته رغم عزوفي عن القراءات النقدية في الآونة الأخيرة، نص فاتن وفريد من شعر التفعيلة، صيغ بمهارة وهندسة شعرية محكمة جدا، اقترن النص بصورة البدر ومحاكاته، لكنها محاكاة تجديدية معنى ومبنى ودلالة.

لم تتخلّ الشاعرة عن مواكبة وسير الأولين في المحاكاة الشعرية من حيث الهاجس الشعري ومخاطبة الطبيعة وجمالياتها ومنها القمر في صورة تمامه، لكنها نسجت ثوبا جديدا موشّى ببديع الصور، مستلهمة الفن الأندلسي -كما يبدو لي- ولا غرابة؛ فشعراء الأندلس تميزوا وتفننوا في وصف الطبيعة، فكان لهم السبق.

هكذا استقرأت نص شاعرتنا، بل خطر لي وصف القمر عند ابن خفاجة في قوله:

لَقَد أَصَختُ إِلى نَجواكَ مِن قَمَرٍ

وَبِتُّ أُدلِجُ بَينَ الوَعيِ وَالنَظَرِ

لا أَجتَلي مُلَحاً حَتّى أَعي مُلَحاً

عَدلاً مِنَ الحُكمِ بَينَ السَمعِ وَالبَصَرِ

ومن عادتي في قراءاتي أنني أسرد استمتاعي وتأملي دون إسهاب ممل أو تنظير للمعنى أو المبنى، فالقارئ ملهم ومستقرئ للجمال بذوقه وفطرته ، ومن الفضول أن يُشرَح الجمال ويُشَرّح، خصوصا للأدباء والشعراء والنقاد النخبويين.

من جماليات نص شاعرتنا البدراني أنها تخلّت عن قيود النفس والهوى، وتركت الشعور يبحر حيث يريد في تصوير الفكرة.. وهنا تتجلى صورة الصدق ومصداقية الشعور والحرف.. فالشعر فيض، وشعور، ورؤى، وخيال حالم في كون الموهبة الشعرية.

وكما قال حسان رضي الله عنه:

وإنَّ أشعَرَ بيتٍ أنتَ قائلُهُ

بيتٌ يُقالُ إذا أنشَدْتَهُ صَدَقا

ربطت الشاعرة القمر بدلالتين:

الأولى/ الليل وهو المجال الفضائي والمكاني.

الثانية/ العاشقون وهم من يرتادون ذلك المجال.

وهو استهلال بديع واستلهام للصورة العربية عند الشعراء قديما ، حيث كان القمر والليل محوري حديث الشعراء العاشقين.

ومن جميل الصورة صورة الرواء للأجنحة ، فالاستعارة هنا فاتنة جدا معنى ومبنى حيث جعلت للأجنحة رواء ، وللحنين أجنحة.

ولا أحب أن أركز على الجانب البياني والبديعي كثيرا فهو من الماثل في بوتقة النص بمهارة كافية وهندسة حرفية مميزة.

ولقد أجادت الشاعرة في إيراد ذلك فألبست النص حلة زاهية جدا.

ومن الجمال التصويري في النص قولها: “فلكم تساقينا القصيد”. وجميل هنا هذا الإيراد التصويري، فالقصيد استعمل مجازا كشراب في كأس التساقي عند المحبين، وهو إيغال في النهم والعشق والحب لهذا الكائن الذي تعيشه الشاعرة وهو (الشعر) الذي استولى على كيانها وشعورها.

ومن جمال التصوير أيضا:

من ثغر نبضات الوريد

قلب وسهم يعبران شعورنا

ذابت له أوتارنا.

أكوابنا.

همنا تقاسمنا القمر.

وما أجمل التصوير حقيقة!.. ولعل ذلك راجع لقوة العمق الخيالي، وتدفق الموهبة، والانجذاب مع الحدث مدًّا وجزرًا، فجاء النص قويًّا متينًا، وكأنه سبيكة معتقة بفنون الألوان وتشكلها.

والنص خيالي وإن كان الواقع يتلبسه، وكما يقول النقاد: النصوص مجال يجتمع فيها الخيال والواقع غالبا.

ألفاظ الشاعرة في النص مختارة ومنتقاة بفنية ومهارة، فقد جاءت عذبة تصويرية ودلالية بجرسها الجميل.. وللقارئ أن يستطرد في النص ليجد ذلك، (فالحنين، والقمر والذكرى، والأوتار، والسمر، والشوق، والأحاجي، والآهات، والنجوم، والتمتمات) كل ذلك إيحاء دلالي فني.

لقد جسدت الشاعرة المعاني واستخدمت التجسيد للوصول لغرضها كقولها:

تساقينا القصيد.

يعبران شعورنا.

ذابت له أوتارنا.

تقاسمنا القمر.

وغير ذلك.

تجلى النص على قالب منسجم جدًّا، سار على السبك التفعيلي في تفعيلاته وتقفيته، وقد وُفّقت الشاعرة في اختيار الوزن التفعيلي (متفاعلن) واختلاف حروف الروي بجمال جرسها وإيقاعها.

مع أني تمنيت لو استبدلت الشاعرة كلمة (مبهرا) بكلمة تنتهي بياء وألف (يا) لتناسب جرس الكلمة التي قبلها في القافية (الضيا).

عاطفة الشاعرة صادقة جدا، حيث وردت المعاني والصور في هالة تشكيلية واقعية وذلك من خلال تنويع الشاعرة بين أسلوبي الخبر والإنشاء.

وفق الله الشاعرة.. ومزيدًا من العطاءات.

قراءة وتحليل الناقد/ يحيى معيدي

مقالات ذات صلة

‫52 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى