إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

رامي.. قصة قصيرة

أمسك باللعبة وجرى بسرعة نحو غرفته يلتمس بداخلها الأمان، كان الخوف بادٍ على وجهه الصغير وقلبه ينبض بشدة؛ يبدو أن الجميع غادر.. هكذا أعتقد رامي. سمع صوت خطا أحدهم، ظل واقفًا وعينيه معلقة بالباب.. يا إلهي من القادم؟

– رامي هل استيقظت؟

– إنها أمي.. ألقى اللعبة على الأرض وركض نحوها وهو يبكي.

– ماذا بك يا رامي، هل كنت خائفًا؟ لا.. لا تخف، أنت رجل والرجل لا يخاف.

سارت به نحو المطبخ ووضعته على الكرسي وانهمكت في إعداد طعام الإفطار.

– هل أنت جائع؟

– لم يرد، كان يلتفت حوله بخوف، تذكر أباه، حاول أن يسأل عنه، ولكنه سرعان ما تلاشى صوته وسط الخوف القابع على قلبه الصغير.

– رامي هل تريد أن تقول شيء؟

أخفض راسه وظل صامتا.. نظرت إليه أمه بحزن، ثم عادت إلى عملها.. وضعت أمامه كوبًا من الحليب

– رامي هذا الكوب لك.

– نظر إلى أمه وسأل بتردد، هل.. هل هو ساخن؟

– نعم اتركه يبرد قليلاً

– لا.. لا أريده باردًا

– أحضرت أمه كوبًا فارغًا وأخذت تفرغ الحليب فيه، ثم عادت وأفرغته في كوب رامي، ثم عادت وأفرغت الحليب في الكوب، ثم في كوب رامي، استمرت تفعل ذلك ورامي يراقبها باهتمام

– أمي هل أصبح باردًا

– لا.. لا ليس بعد

شعر وقتها بأن أمه تحبه كثيراً

– أمي أنا.. أنا أحبك

– ضحكت أمه بفرح، وأنا أيضًا أحبك يا رامي

– مدت إليه بكوب الحليب، أمسكه مترددًا

– أمي، هل هو بارد؟

– نعم يا حبيبي

– قربه من فمه بحذر، لم يكن ساخناً، اطمأن إلى ذلك وارتشف قليلاً منه ثم وضعه على الطاولة

كان المنزل يبدو هادئًا و رائحة قلي البيض تنتشر في أرجائه معلنة عن صباح جديد، لم يكن يعلم رامي لماذا كل هذا الخوف المحدق به، هل هو الخوف من الوحدة؟ ولكنه اعتاد عليها فكل صباح يبقى وحده ينتظر إخوته يعودون من المدرسة حتى يلعبون معه، ولكنهم كثيرا ما يتركونه ويهرعون إلى حقائبهم يفتحونها ويخرجون كتباً منها يرسمون بداخلها أحرفاً جميلة ذات ألوان مشرقة. كان رامي يقف متأملاً لما يصنعون يحلم بأن يكبر مثلهم ويصنع مثلهم ويذهب إلى المكان الذي يذهبون إليه كل صباح.

وضعت أمه البيض المقلي على الطاولة، التقط واحدة وبدأ في أكلها، إنه يحبها، هكذا عكس أخوته الذين يحبون أكله مع الخبز.

دخل حازم.. كان أكبر من رامي بخمس سنوات، سحب الكرسي الذي أمام رامي ثم جلس وهو يقول لأمه، أنا جائع

– حسناً

– تأمل رامي أخاه حازم، وشيء من الأمان بدأ يتسلل إلى قلبه

– حازم أين كنت؟ لم أجدك؟ كنت أبحث عنك؟

– كنت نائماً.. لماذا تبحث عني؟

– أنا.. أنا.. أنا

عاد إلى صمته، لم يعلم وقتها رامي كيف يشرح لأخيه عن خوفه.

أمه ما زالت تصنع المزيد من البيض المقلي وحازم يأكل البيض بالخبز.. الشمس ترسل أشعتها الذهبية إلى داخل المطبخ لتضىء المكان وتنشر بداخله الدفء وتطرد الخوف من قلب رامي.

الضجيج يملأ كل المساحات حول أذن رامي. إغلاق الأبواب وفتحها وأصوات الصراخ والكلمات، أيقن رامي أن الجميع اسيقظ. بدؤوا يتوافدون الواحد تلو الآخر إلى المطبخ وأمهم تضع المزيد من صحون البيض المقلي والخبز وأكواب الحليب التي بدأت بالازدحام على الطاولة، كان رامي ينظر إلى وجوههم يبحث عن وجه أبيه وطعمًا آخر للأمان.

أين أبي؟ أين؟ يبدو أنه رحل عني.. هكذا كان يفكر والحزن يخيم على وجهه الأبيض، تذكر وجه أبيه فدمعت عيناه بشدة.. لم يلاحظ أحدا دموع رامي الصامته، كان الجميع مشغولا في تناول الطعام

– هل استيقظتم جميعا؟

– التفت رامي غير مصدق إنه أبي، إنه أبي، قالها بصوت عالٍ واندفع نحوه، ألقى بجسده الصغير في أحضان أبيه، ابتسم ودموعه تزداد انهمارًا.. أبي أبي أبي.

– ضمه ابوه إليه بقوة وهو يردد “ولد رامي، ماذا بك ماذا بك؟

– شعر وقتها رامي بأنه ليس وحيدا وأن لا أحد تركه ورحل، الجميع معه: أمه، وإخوته، والآن أبوه، جميعهم معه؛ ضحك رامي بصوت عالٍ، بفرح قفز من أحضان أبيه وأخذ يتراقص بفرح، الجميع يضحك، رامي ما زال يتراقص أمام أبيه، يدور حوله، يلوح بيده وعيناه الصغيرتان لا ترى غير أبيه.. أبيه فقط

النهاية، الأحد 18/3/1443

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

‫45 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى