إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

لحظة!

كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحًا، عندما استيقظت على اتصال من والدي بذلك الوقت المبكر؛ لينقل لي خبر رحيل ابنة إحدى قريباتي والتي تبلغ حوالي الخامسة عشر من العمر. رحلت بذلك العمر الصغير بدون مقدمات وبدون أن تعاني مرضًا حتى، حينها تذكرت رائعة الكاتب الروسي تشيخوف (الْأَلَم).

“في أحد الأيام حمل فلاح عجوزٌ زوجته المرِيضة في المقعد الخلفي مِن العربة التي يجرها حصان هزيل، حملها إلى المدينة البعيدة لعلاجها. وفي الطريق الطويل بدأ الرجل يتحدَّث ويفضفض كأنما يناجي نفسه، ولكنّه في الوقت نفسه يواسي زوجته المريضة التي عاشت معه طوال أربعين عامًا في شقاء وبؤس ومعاناة تكد وتكدح، تساعده في الحقل وتتحمل وحدها أعباء البيت.

الآن، أحسّ أَنهُ كان قاسيا معها طوال السنوات الماضية، وأن عليه أن يعاملها بِلطف ولين، وأن يسمعها الكلمات الطيبة. قال لها إنه ظلمها وأن الحياة أيضًا ظلمتها، لأنه لم يجد الوقت في حياته اليومية ليقول لها كلمة طيبة حلوة وعذبة، أو يقدم لها ابتسامة صافية رقيقة أو يعطيها لحظة حنان.

وظل الرّجل يتحدث بِحزن وأَسى طوال الطريق، والكلمات تتدفق وتنساب على لسانه، وكانه يعوضها بتلك الكلمات عما فقدته خلال الأربعين عامًا الماضية من الحب والحنان ودفء الحياة الزوجية، وأخذ يقدم لها الوعود بأَنَّه سوف يحقق لها كل ما تريده وتتمناه في بقيَّة عمرها.

عندما وصل المدينة، نزل من المقعد الأمامي ليحملها من المقعد الخلفي بين ذراعيه لأَول مرة في حياته إلى الطبيب ولكن وجدها قد فارقت الحياة. كانت جثَّة باردة، ماتت بِالطريق، ماتت قبل أن تسمع حديثه العذب الشجي!”

وإِلى هنا تنتهي قصة الألم التي كتبها (تشيخوف)، ليتركنا نحن مثل الفلَاح العجوز الذي كان يناجي نفسه ولكن بعد فوات الأوان، فالكلمات لم تعد مجدية الآن؛ فقد فقدت مغزاها.

لماذا لا نعرف قيمة بعضنا إلا في النهايات؟ لماذا لا تظهر مشاعرنا إلا بعد أن يغادر أحبتنا؟ لماذا القسوة والجفاء والغلظة على بعضنا البعض؟ لماذا لا ننثر لهم الطيب من الكلام وهم بيننا؟، قليلًا فقط من التقدير والاهتمام لمن تحبون قبل أن تفقدوهم، فحينها لن تجدون إلا الذكرى والفراغ والكثير الكثير من الندم.

رحم الله منار وأسكنها فسيح.

بقلم/ فوزية بنت عبد الله الشيخي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى