زوايا وأقلاممشاركات وكتابات

تغمض القصيدة عينيها

حين قرأت قصيدة أول مرة
انكمش صدري خلف القميص
راودني قلبي عن الحروف
نظرت إلى وجه القصيدة
عيونها تحدٌق في الوجع العاري
حروفها تطفوا فوق فوهة الأفق
والسطور رماح تطعن الضجيج
خالَ لي حينها أن الشِعر قِدْرٌ أسود
تنضج فيه الطلاسم والتمائم
ظل قلبي يؤلمني مسافة موكب الرمل
في الليل كنت أسمع صراخ عصافير الماء
يأتي من وريد الريح الجاف
جهة النهر الكسيح
أستيقظ مرتعباً وحيداً كل صباح
في كل نوبة هلع تتلبس جسدي الحمّى
تصبّ أمي الرصاص السائل على الماء فوق رأسي
ترتّل العمات أوراد الطقوس الروحانية
يأبى مجنوني أن يغادرني
تقول أمي صدر ابني مثقوب
كلما بكت أصابعه
يخرج من ضلوعه نخل ورمان
لكن قلبه سيموت في كل صك منبوذ
كيف تنام القصيدة
إن لم يجد الصغار شمسًا
يرمون لها نواجذهم
أو نهرًا تلهو فيه مراكبهم الورقية
شجرة ربما يختبئون خلفها
لهذا ابتعت قِدْرًا وقطفت الخرز الأخضر
وصرت ناسكًا
كتبت أول قصيدة
فارق التوت قلبي
يقتلني هذا الجنون ولا يهجع
كيف تستقيم القصيدة
وكلما دعا العشب أحبتنا للنوم
يفتحون لهم نوافذ الأرض خلف السور
قد بلغ الهذيان الانشطار
القصيدة تنتشي بالخواء الثقيل
تتسكع أسفل الظلال
لا معالم في الحروف
لا مكان لبساتين التين
القصيدة تغمض عينيها
تبدأ اللوعة هنا
من وهب الولادة شهقتها؟
من أسقط المواسم في فوضى اليقظة؟
محنة المرء أدغال المباهج
لا تظن رحم الماء ضرير
فهي معصية تربك وجه الغابة
خلف غيمة تفور تركت رأسي مفتوحًا
ذرفت نهري وطيوري
مزقت قصائدي وبقيت أنا مجنونها
حزينًا أهلوس بتعاويذي
أكره النوم وأستيقظ ما زلت مرتعبًا
ولا زلت
كلما كتبت قصيدة يموت قلبي.

بقلم/ حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى