إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

اقرأ صمت أخيك

أهديها لكل من يصون الود بحفظ الوصل، صديقًا كان أو حبيبًا أو قريبًا، ولا تغيره تقلب المزاج ولا شدة ظروف، فهو من أهل الوفاء.

اقرأ صمت أخيك..  فلعل عزة النفس أسكتته

من أجمل وأرقى وأنقى ما رويَ.. أنقله لكم هنا:

دخل رجلٌ غريبٌ على مجلس أحد الحكماء الأثرياء، فجلس يستمع إلى الحكيم وهو يُعلّم تلامذته وجُلساءه، ولا يبدو على الرجل الغريب ملامح طالب العلم، ولكنه بدا للوهلة الأولى كأنه عزيز قومٍ أذلّتهُ الحياة. دخل وسلّم، وجلس حيث انتهى به المجلس، وأخذ يستمع للشيخ بأدبٍ وإنصات، وفي يده قارورةُ فيها ما يشبه الماء لا تفارقه.

قطع الشيخ العالمُ الحكيم حديثه والتفت إلى الرجل الغريب، وتفرّس في وجهه، ثم سأله :

ألك حاجةٌ نقضيها لك، أم لك سؤال فنجيبك؟

فقال الضيف الغريب: لا هذا ولا ذاك، وإنما أنا تاجر، سمعتُ عن علمك وخُلُقك ومروءتك، فجئتُ أبيعك هذه القارورةَ، وأقسمتُ ألّا أبيعَها إلا لمن يقدّر قيمتها، وأنت دون ريبٍ حقيقٌ بها وجدير.

قال الشيخ: ناولني، فناوله إياها، فأخذ الشيخ يتأملها ويحرك رأسه إعجابًا بها، ثم التفت إلى الضيف فقال له: بكم تبيعها؟

قال الضيف: بمئة دينار

فرد عليه الشيخ: هذا قليل عليها، بل سأعطيك ثمن القارورة مئةً وخمسين.

فقال الضيف: بل مئةٌ كاملةٌ لا تزيد ولا تنقص

فقال الشيخ لابنه: ادخل عند أمك وأحضر منها مئةَ دينار، وفعلاً استلم الضيف المبلغ، ومضى في حال سبيله حامدًا شاكرًا، ثم انفضَّ المجلسُ وخرج الحاضرون، وجميعهم متعجبون من هذا الماء الذي اشتراه شيخُهم بمئة دينار.

دخل الشيخ مخدعه للنوم، ولكنّ الفضول دعا ولده إلى فحص القارورة ومعرفةِ ما فيها، حتى تأكد بما لا يترك للشك مجالاً أنه ماءٌ عاديّ.

فدخل إلى والده مسرعاً مندهشاً صارخاً:

يا حكيم الحكماء، لقد خدعك الغريب، فوالله ما زاد على أن باعك ماءً عادياً بمئة دينار، ولا أدري أأعجبُ من دهائه وخبثه، العفو منك، أم من طيبتك ولطفك أو تسرعك؟.

فابتسم الشيخ الحكيم ضاحكاً، وقال لولده:

يا بني، لقد نظرتَ ببصرك فرأيتَه ماءً عاديًا، أما أنا فقد نظرتُ ببصيرتي وخبرتي فرأيتُ الرجل جاء يحمل في القارورة ماءَ وجهه الذي أبَتْ عليه عزَّةُ نفسه أن يُريقَه أمام الحاضرين بالتذلُّل والسؤال، وكانت له حاجةٌ إلى مبلغٍ يقضي به حاجته لا يريد أكثر منه، والحمد لله الذي وفقني لإجابته وفَهْم مراده وحِفْظِ ماء وجهه أمام الحاضرين، ولو أقسمتُ ألفَ مرّةٍ أنّ ما دفعتُه  له فيه لقليل، لما حَنَثْتُ في يميني.

إن استطعتَ أن تفهم حاجةَ أخيك قبل أن يتكلم بها فافعل، فهو الأجملُ والأمثل. تفقَّدْ على الدوام أهلك وجيرانك وأحبابك، فربما هم في ضيقٍ وحاجةٍ وعَوَز، ولكن الحياء والعفاف وحفظَهم لماء وجوههم قد منعهم من مذلة السؤال؛ فاقرأ حاجاتهم قبل أن يتكلموا.

وما أجملَ قول من قال: إذا لم تستطع أن تقرأ صمْتَ أخيك، فلن تستطيع أن تسمع كلامه.

اللهم احفظ أهل الوفاء ليبقى لحفظ الوجه ماء.

بقلم/ أ. خالد بركات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى