إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

قراءة في نص الكاتب ديب (لبست ثوب الفرح قبل الفرح)

بداية نحن أمام نص ماتع؛ فإن أردنا أن نطلق عليه قصيدة نثرية فهو كذلك، لكننا نجده في حين أخر كأنه خاطرة، لكن ما يهمنا هنا هو النظر للنص دون أن نقوم (بتفكيك النص) لأي نوع من أنواع الأدب، فهو تعبير عما يجول بخاطر الكاتب وحالة شُعوريّة خاصة به في قالب أدبي بدأها بعنوان مشوّق فيه نوع من الجِناس (لبست ثوب الفرح قبل الفرح)

لذا.. سأتناول النص وفوق مانحاه الكاتب في كل مقطع وعاطفته السائدة حال كتابته لهذا المقطع أو ذاك، وأتطرق لبعض ما ورد من تراكيب ومفردات ولغة شعرية وجدانية.

المقطع الأول:

يبتدئ بالبوح العاطفي من البداية بقوله: (مسكت بقلمي.. ماذا وكيف أنا فيه)، واستخدام التساؤل التعجبي مع وصف لحالة البوح التي سوف تكون في نصه عن طريق القلم، واستخدم الكاتب ضمير المخاطب حيث كان يحدث المحبوبة: “اعذريني بما قد كتب فيه قلمي عنكِ ، وأنا أتخيل فيها كلماتكِ ‏تذكرت عندما سألت ما بالك ، ‏قد أخبرتكِ بما في قلبي وهذا لكِ”.

وهنا أجاد الكاتب في الدخول لنصه بالمخاطبة وتحليل الصورة بإجمال وتفصيل، لكن كان بودي أن لا يكرر كلمة (القلم)، خاصة أننا نجد إرباك في التركيب للمفردات في عبارة (اعذريني بما قد كتب فيه قلمي عنكِ) فلو قال: (اعذريني بما قد كتبته بقلمي عنكِ) أو (اعذريني بما قد كتب قلمي عنك) بحذف (فيه) أو الأفضل (اعذريني بما كتبه عنكِ) خاصة أنه معروف هنا أن الكتابة تعود للقلم الذي ذكره في شطر وعبارة قبل ذلك.

ثم يختتم الكاتب مقطعه بتناغم بديع حين يقول (قد أخبرتكِ بما في قلبي وهذا لكِ)، هو هنا يطلق للمحبوبة حق امتلاك البوح منه كاملا عبر الكتابة لها بالقلم أو عبر الحديث الشفوي، وحمل هذا المقطع خاصية الفِكرة الواضِحة والتّوازن في الجُمل والألفاظ المُترادفة، من خلال استِخدام الكَلمات المتوافقة معًا لتَقريب الفِكرة ولأجل التّناسب والتّلاؤم لمُستوى إدراك القارئ.

المقطع الثاني:

يعرج الكاتب هنا ليؤكد كيف كان البوح بزمن معين (طيلة ما مضى ثلاثا) وهذه الثلاثة أيام أو ثلاث ليال كانت السبب في الاشتياق رغم أنه لم يكن هنالك غياب بل كان معها

“لم أتوانَ قط بالاشتياق وأنا معكِ ، ‏وأنا في حضنكِ ، وأنا مشتاقة لكِ ، وأنا أشبع ناظري بلقياكِ ، وممسكة بيديك كصمام لأماني”

في جزء من المقطع نرصد نوعًا من التخفي في البوح، فحينًا يكون الحديث والخطاب منه (لم أتوانَ قط بالاشتياق وأنا معكِ.. وأنا في حضنكِ) في كاف الخطاب وفي النظر لأجزاءِ الكافِ، نحن أمام أنثى مخاطبة ولكنها مستترة وربما ذاتًا أو شيئًا مشخصنًا، وحين تكون هي التي تبوح وتتكلم (وأنا مشتاقة لكِ) المهمُّ أنّ كافَ الخطاب التي من آيات الجمال في النص ذات وجود فيزيائي وليس وهم أو خيال، والسياق في باقي النص يثبت ذلك، لتكون المخاطبة في كل الحالات وجودٌ وكيانٌ في الوجدِ والوِجدانِ وقد تكون توأمَ روحٍ للكاتب.

كما أن هناك تناسق بين كل جملتين ليس شرطا بالقافية مثل ( وأنا في حضنكِ.. وأنا مشتاقة لكِ) أو حتى لو كانت مشتاق لكِ)، لكن على الأقل الوزن متناسق بالمَغزى أو الهَدف، وهو المَعنى والرّوح الحركيّة التي تشدّ القارئ وتجذِب الانتباه وتُحقّق خاصيّة التّشويق والرمزية، هنا من الذي يخاطب الأخر كما قلت سابقًا. كما أنه كثف فيها البوح ليصل إلى صورة شبه فيها الحبيب بصمام للأمان (وهو اللفظ المعروف عادة) لكنه هنا للأماني وتحقيق الأحلام، فيطلق هنا الصورة بكل شفافية ومكاشفة، ويميط اللثام عن الكلمات من فحواها الحقيقية.

المقطع الثالث:

في هذا المقطع تحويل من الكاتب للبوح إلى نوع من الموقِف يجسده عبر مرآة الحُروف إلى مشهد يجعلنا نشاهده بأعيننا؛ وذلك باستخدام الوَصف الدقّيق والموجز.

حتى الصمت اشتكى مناَّ

‏واكتفينا بتبادل الأنظار

‏وكأننا نقول ما بما نبضته قلوبنا

‏كنا نرسم على الأعين البسمة

‏تعبر لنا ما بداخلنا

‏وتبادلنا بأرواحنا اللحظة

‏قد كنتِ أسعد من اللحظة

‏بل كنتِ أنتِ لي هي الفرحة

بدءًا من وجود صمت قطع الكلام وانتهاء بتبادل النظرات، وليته هنا استخدم النظرات بدلًا من الأنظار (واكتفينا بتبادل الأنظار ) فاللفظ الأنظار يتطابق مع أنظار لأشخاص آخرين، نستخدمه في اللغة الشاعرية والأدبية بقول (كان فلانًا محطًا أو جاذبًا للأنظار)، فهي هنا تكثف الوصف في موضع جمع لأناس عدة، بينما نص الكاتب يعبر عن نظرات متبادلة بين شخصين (حبيب ومحبوبة) لكن هذا لا يقلل من قيمة المقطع؛ حيث برع الكاتب في استجماع مفردات في المقطع من عمق اللغة، وسطحها كذلك في:

كنا نرسم على الأعين البسمة

تعبر لنا ما بداخلنا

وتبادلنا بأرواحنا اللحظة

قد كنتِ أسعد من اللحظة

كما أنه وهنا (وتبادلنا بأرواحنا اللحظة.. قد كنتِ أسعد من اللحظة، بل كنتِ أنتِ لي هي الفرحة) نلاحظ أنه يحيلُنَا على التّخييلِ حينًا وحينًا أخر نحو السرد بقلة دون تفصيل والمراوغةِ بين التّصريحِ والإخفاء، محدثًا إيقاعًا منسجمًا متناغمًا مع المعنَى الدَّاخلي والخارجِي، بين المُضمَرِ والمستتر والمُصرّحِ به ليقارعُنا بسيفِ الحرفِ مع وجدانهِ ومشاعرِهِ؛ لنستمر في رسم الصورة لهذا الحب والبوح.

لكنه حين يقول (قد كنتِ أسعد من اللحظة.. بل كنتِ أنتِ لي هي الفرحة) كان من الأولى أن يقول (بل كنتِ أنتِ لي الفرحة) ويحذف هي، فلا الموقف هنا يستلزم التأكيد ولا التوافق النغمي يستلزم الإطالة بـ (هي).

المقطع الرابع:

نجد دمجًا مبهرًا للأساليب البيانية مع المجازات والاستعارات، كما تَضمّنَ هذا المقطع جدلًا وجدالًا وسطَ جدليةٍ من الأفعالِ (لبست، جلست، خلت، رسمت لي، رقصت، أحببت، انظر، تتراقص، …) والتفاعلِ والألغازِ والتّلميح، في مدٍّ وجزرٍ بين المعنَى والمعنَى، والمعنَى والمبنَى، والمعنَى والصّورِ المتجاورةِ والمتضاربةِ، بين الصّخبِ والتأمّلِ، والتّلميحِ والتّراجعِ عن ذلكَ، وبينَ التّمادِي في البوح من قبل الحبيبة مع التألم الفاضح (قد صُمِمت ولم أعد أسمع.. آاااه .. آاااه من تلك اللحظة.. قد كانت أصعب لحظة.. وفيها ماتت الأشياء بالنسبة لي.. لم يعد ثوب الفرح لي …)

فالكاتب هنا يثبت عمق البراعة في التعبير بالإيجاز والتفصيل، ويتلاعب بالقافية، ويخرج من فتنة القارئ بإيقاع النص ولنجد أن لحرف مثل (قد) المتكرر لذّةٌ في القراءة ودلالة ورونق.

المقطع الخامس الأخير:

هذا المقطع احتوى عالمًا من الصور، ونوعًا من الإيقاع الذي يفصح عن تضارب بين المشاعر الواقعة بين ضفاف من الذّكرى والتّذكّر والبوح العميق ورفضِ الواقعٍ، واستبدَالهُ بآخَرٍ، في ذهنِ المناجاة من الحبيبة بين العِلمِ والحُلْمِ والظنِّ والوهمِ بفقد الحبيب ودمج ذلك بسيلٍ من الدّمُوعِ وفيضٍ منَ المشاعرِ والأحاسيسِ الملتهبةِ التي كان لفظ (آاااه) في المقطع السابق مقدمة عنها في هذا المقطع، حيث يقول: ( ارقد.. أنت بسلامٍ.. قد أغمضت أنت عينيك… إلخ).

فأنتج أبياتًا في عالمٍ من الصّورِ والمشاهدِ المتحرّكةِ، حيث أخذنا نحو سر المأساة في (لبس ثوب الفرح قبل الفرح)، هنا تَحدَّتْ بالمأساة والواقعة الأليمة في موت الحبيب فأوقف في كل كلماته توثيقًا لانحباس الأنفاس ووقوف الظل والدمع ولتجعل القارئ يحاكيه في تجمده والتهاب مشاعر الألم والوجع والحزن لحظة الفقد، ليفاجئُنا باستخدام ضميرالمتكلم وإقحامه بدلا من ضمير الخطاب في (كاف) فهل يريد أن يشعرنا بأن هذا تعظيمٌ وتفخيمٌ وتقديرٌ لحبيب هو كل شيء.. حبيب هو وطنٌ بقيتْ ذكراهُ وغابتْ معالمُه؟ أم هو تسبيحٌ بملاكِ إنسانٍ ما، سكنَه وتملّكَه، فعظّمَهُ ورفّعَهُ؟ تكريمًا ووفاءً لعشرتِهما. تنقصُنَا عينُ الشّاعرِ ومهجتهِ لنَفيِ أو لتأكيد ما ذهبنَا إليهِ، بأيِّ شيءٍ فكّرَ قبلَ خطّهِ أبياتِهِ هذه؟!

أخيرًا:

من الزاوية النفسية للكاتب، نجد الكاتب رمزا للأديب المهموم بعشق، يريد أن يصوره ببوحه، فيجتر الآلام بصوت مرتفع مدوٍ حينًا وحينًا بصوت هامس. أما من حيث التجنيس الأدبى، فقد أوقعنا الكاتب في حيرة، حيث لا أستطيع الزج بهذا النص المبدع تحت جنس الخاطرة خصوصا بعد أن استهلكت الخاطرة وكتب فيها أدعياء الأدب فباتت ركيكة اللفظ متميعة المذاق، هلامية الشكل؛ لذلك فقد رأيت تصنيف هذا العمل تحت مسمى المونولوج الداخلي لقصيدة نثرية، ولا بد من احترامها واحترام من يمثّل هذا النوع من الأدب لاشتماله على بوح من العيار الثقيل طويل المدى، كأن الكاتب وقف منفردا يتفنن فى طرح النص والكل له منصت منتبه استعدادا لتصفيق طويل فى الختام.

بقلم/ هتون الوابل

مقالات ذات صلة

‫47 تعليقات

  1. اشكر الدكتورة والكاتبة والادبية هتون على شرحها المميز والرائع في طرح كافة التفاصيل فيما تناولت هذا النص بكل مافيه وقد قرات هذا النص بعين الكاتب كما هو ..
    تظلين رائعة دوما وشكرا لك كثيرا على اهتمامكم حفظكم المولى عز وجل

    Deep

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى