إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الصديق

 

تقف الحروف صامتة على شفتينا في لحظة المفاجأة، وتنتحر الأفكار، ونظل نقف مشدوهين منتظرين من ينقذنا من الموقف الصعب. دخل حجرته وهو يحمل بيده حقيبته السوداء، كانت الساعة الثامنة والنصف، وقد اعتاد أن يخرج من عمله في هذا الوقت متجهاً إلى شقته القابعة بالدور الأرضي، ولأنها قريبة من مقر عمله كان يتجول بعض الوقت في الشارع ملاحقًا المارة بعينيه الصغيرتين، ثم يدخل إلى شقته، إلا أنه في هذا اليوم لم يتجول بالشارع كعادته بل اتجه فورًا إلى شقته دون أن يعلم لماذا؟.

كانت الأفكار تعصف به بشدة؛ لتلقي به في أحضان الحيرة والقلق، فمنذ أن تركه صديقه الذي يعيش معه في نفس الشقة بحجة أنه إنسان لا يطاق وذو تصرفات غريبة، هي أقرب إلى الجنون منها إلى العقل. وهو كثير التفكير يسير دون أن يعلم إلى أين؟ يتحدث مع نفسه بصوت عالٍ.. يضحك بغباء كلما تذكر مواقفه المضحكة مع صديقه. كان الجو حار جدًّا بالخارج، والسماء مظلمة، وثمة مشاعر غريبة تسيطر عليه تزيده كآبة ونفور مما حوله، تحمله على الاحتماء بالشقة من كل ما يحمله من مشاعر.

دخل شقته.. كانت مبعثرة، وهذا الأمر أعاد إليه شيئًا من الارتياح؛ فهو يكره النظام ويحب أن تكون كل الأشياء من حوله مبعثرة، وهذا الإصرار على الفوضى كان كثيرًا ما يخلق المشاكل بينه وبين صديقه سعد، فصديقه على النقيض منه تمامًا، يحب النظام ويكره أن يرى الأشياء في غير مكانها. فتح زيد غرفته فوقعت عيناه على سعد، ظل واقفًا، وضاعت الكلمات وسط حيرته، حاول أن يستوعب الموقف فخرجت عباراته جافة كجفاف حياته.

– لماذا عدت؟

– نطق بها ثم عاد إلى صمته.. ابتسم سعد ثم اندفع قائلاً: لماذا؟ ألا تريديني أن أعود؟

– تمنى زيد أن يقول الكثير والكثير عن افتقاده لصديقه، إلا أنه شعر أن كرامته قد جرحت؛ وعليه أن يكون قاسيًا حتى لا يوصم بالضعف.

— لا.. لا أريدك أن تعود، لماذا أتيت؟ كنت سعيدًا قبل أن أراك؟

قالها بسرعة، ثم أخذ يعض على شفتيه، شعر بأنه أخطأ وكان ينبغي أن لا يقول ذلك، إلا أنهنه برر ذلك لنفسه بأنه جرح من قِبَل صديقه، وعليه أن يأخذ حقه، وهذا أقل شيء يقوله. ابتسم صديقة بسخرية ومد يده ليصافح زيد إلا أن زيدًا لم يمد يده إليه، وظل ينظر إلى صديقه بغضب.

أخفضَ سعد رأسه وهو يحركه بأسى مرددًا بصوت حزين: لم أكن أعلم بأنك حاقد عليّ لهذه الدرجة، أعلم أنى أخطأت ولكن المسامح كريم.

ضحك زيد في أعماقه حتى ظهرت أسنانه وهو يسترجع ما قاله صديقه، وزاد من سعادته عدم مصافحته لسعد ونظرات الحزن التي أطلت من عينيّ صديقه، أدرك زيد أنه انتقم من صديقه شر انتقام.

– لن أطيل عليك، سوف آخذ أشيائي التي نسيتها عندك ثم أرحل يا زيد.

– كان صوت سعد حزينًا، وبدا وكأنه يصارع دموعه وهو يتأمل زيد.. لم يجب زيد بل جلس على أقرب كرسي وجده أمامه، وعيناه ملازمة لسعد وهو يبحث عن أشيائه، شريط الذكريات التي ضمتهما سويًّا يستعرض أمامه. يا إلهى.. على هذه الطاولة لعبنا كثيرًا، فوق هذا السرير كان ينام سعد وكنت أضيء الأنوار حتى أزعجه، كان يستيقظ وهو يصب فوق رأسي شتائمه.

– توقف عن التفكير على صوت سعد

— أين قميصي البني؟

لم يجب زيد، كان ينظر إلى صديقه وكل صراخ العالم وآهاته يملأ صدره ليخرج كل ما بداخله بصوتٍ مسموع، إلا أنه قاومَ هذه الرغبة وخرج من غرفته مغمضًا عيناه حتى لا تقع على ركن من أركان الشقة فيتذكر موقفًا حدث بينه وبين صديقه، فتح باب الشقة ووقف بجانب الباب يتأوه بصعوبة، ما أقسى ذلك.. كان عليه أن يبدو طبيعيًّا وكان صديقه لا يمثل له شيئًا.

– أحمد.. أنا ذاهب!

– مد يده هذه المرة أيضًا، لم يعلم زيد كيف عليه أن يتصرف ظل مشدوهًا، ينظر إلى صديقه وأفكاره جامدة، وشيئًا من الخوف ارتسم على ملامحه، شعر سعد بانكسار ونظر إلى وجه صديقه ثم إلى يده المدودة دون أن يقول شيئًا، أدرك سعد أنه أخطأ فلا معنى لكل كلمات الاعتذار إمام قسوة صديقة.. أدخل يده في جيبه وابتسم بحزن ثم مضى.. مد زيد يده فجأة وصديقه يبتعد عن الشقة.. لقد فهم الآن عندما انتهى كل شيء أنه أحمق هكذا شعر .. صرخ بصوتٍ عالٍ وملامحه تزداد تعاسة، مناديًا على صديقه، إلا أن صديقه قد ابتعد كثيرًا وهو يصرخ ويصرخ ولكن دون فائدة.

بقلم/ آمنة فالح الجهني

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى