إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

‏الشعرالحر تأصيل قام على التضليل

منذ سبع عشرة سنة تقريبا استزارني الإعلامي المتميز بإدارة تعليم القنفذة الأستاذ/ أحمد محمد ناصر المعشي، بمنزله الكائن بقرية العصامي، وعندما هممت بالمغادرة بعد كرم ضيافته عمد إلى كتاب أمامه وناولني إياه قائلًا: “تسلَّ قليلًا هذه الليلة مع هذا الكتاب فهو لشاعرة فذة بذّت كثيرا من الشعراء”، أخذت الكتاب وانصرفت داعيًا له بالخير، وعدت لمنزلي وأخذت أقرأ وأستمتع بما أقرأ؛ إنه ديوان الشاعرة (نازك الملائكة) رحمها الله، بين دفتيه قصيدتها الذائعة” الكوليرا” وهو عبارة عن مجموعة من اللوحات الأدبية الفنية في الشعر الحر، والتي تنم عن عبقرية مبدعها. جعلني الفضول أبحث عن كتب أخرى للشاعرة فاهتديت إلى كتابها “قضايا الشعرالمعاصر” الطبعة الحادية عشرة، أكتوبر2000 دارالعلم للملايين، بيروت، لبنان. ‏فوجدت المؤلفة تعيد بدايات الشعرالحر إلى القرن الرابع الهجري وهذا نص قولها في الصفحة الثامنة من الكتاب:

‏والواقع إن الشعرالحرقدورد في تاريخنا الأدبي، وقدكشف الأدباء المعاصرون ومن أوائلهم عبد الكريم الدجيلي في كتابه المهم (البندفي الأدب العربي، تاريخه ونصوصه) لم أطلع على كتابه هذا كشفوا أن قصيدة من هذا الشعر قد وردت منسوبة إلى الشاعرابن دريدفي القرن الرابع الهجري وهذا نصها، وقد رواه الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن) وأدرجه كما يدرج النثرالاعتيادي، ولكني أؤثر أن أدرجه إدراج الشعرالحر ليبدو نسق أشطره المتفاوتة الأطوال والأوزان:

‏رب أخ كنت به مغتبطا … ‏أشد كفّي بعرى صحبته

‏وسردت الشاعرة القصيدة كاملة وتبلغ عندها 9أبيات.. لا أريد الإطالة عليك أخي القارئ، دُهشتُ مما قرأت، بل صُدِمْتُ كيف لم ندرس هذه المعلومة القيمة في كلياتنا العربية ولم أسمع أساتذة الأدب يوما يوردون مثل قولها، فذهبت واقتنيت نسختين من إعجازالقرآن للباقلاني، الأولى بتحقيق السيد أحمد صقر، القاهرة، مؤرخة بقلم المحقق1952، والأخرى بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان. وهي طبعة جميلة الغلاف وما بين دفتيها حسن الخط والمداد.. فأخذت أبحث عن كلام نازك الملائكة حول تأصيلها لنشأة الشعر الحر.. وعليه أقول:

‏1- أورد الباقلاني القصيدة في: فصل في نفي الشعر من القرآن.

‏2- أدرجها كما يدرج الشعر العمودي ذو الشطرين وليس كما يدرج النثرالاعتيادي كما زعمت نازك الملائكة -رحمها الله- ليبين لنا الخلل فيها

‏3- تبلغ القصيدة عند الباقلاني (4) أبيات فقط.. بينماعند نازك الملائكة (9) أبيات أي (18) شطرًا، فمن أين جاءت الزيادة؟

‏4- علق الباقلاني عليها بقوله: بل هذا قبيل غير ممدوح/ ولا مقصود من جملة الفصيح، وربما كان عندهم مستنكرا. فأين أمانة النقل عن الآخرين، رحم الله نازك الملائكة وتجاوز عنها.. إذ لم تذكر تعليق الباقلاني.

‏5- الباقلاني أوردها غير منسوبة تجدونها في النسخة الأولى ص56 وفي النسخة الثانية ص82

6- تقول الشاعرة في كتابها ص9، وقد استنكر الباقلاني نسبة هذه الأشطر إلى ابن دريد، ولعلي أؤيده في هذا لأن ابن دريد شاعر متمكن من اللغة.

في الحقيقة أنا في حالة لا شعورية ولست مصدقا أن هذا الكلام العاري عن الصحة يصدر عن أديبة وشاعرة كنازك الملائكة.. وأن تقوّل الباقلاني ما لم يقله.. فهو لم يشر إلى ابن دريد في هذا الفصل البتة، لا من قريب ولا من بعيد، فلم كل هذا؟ أمن أجل التأصيل يتعمدون الكذب والتضليل؟ أم كانت سقطة منها إذ لم تقرأ كتاب إعجاز القرآن ونقلت عن عبد الكريم الدجيلي.. وهذا أيضا لا يعفيها لأنها مسؤولة عما تكتبه وتورده للناس؛ فهي تؤصل لنشأة فن جديد ولا بد أن تكون الأدلة دامغة وواضحة  كالشمس في رابعة النهار.

‏ثم تواصل المؤلفة وكذلك نقل عبد الكريم الدجيلي من (وفيات الأعيان) أشطرا منسوبة إلى أبي العلاء المعري تجري هكذا:

‏أصلحك الله وأبقاك

‏لقد كان من الواجب أن تأتينا اليوم

‏إلى منزلنا الخالي

‏لكي نحدث عهدا بك يا خيرالأخلّاء

‏فما مثلك من غيّر عهدا أو غفل

‏فما كان مني إلا أن عدت أبحث في كتاب الوفيات لابن خلكان فلم أجده في ترجمة أبي العلاءالمعري، وبعد جهد جهيد، استمر لعدة أيام من البحث المضني وجدتها وردت في المجلد الخامس في ترجمةٍ برقم (724) لأبي العز مظفر بن إبراهيم بن جماعة العيلاني، الشاعرالأعمى الملقب موفق الدين. والخبر أيضًا جاء على لسان أحد أصحاب مظفر الأعمى، أنّ شخصًا قال له رأيت في بعض تواليف أبي العلاء المعري ما صورته الأبيات السابقة الذكر.. ونقله لابن خلكان.

فَلِمَ لا تشير المؤلفة إلى ذلك؟! إلا إذا أرادت طمس حقيقة لا تريدنا أن نصل إليها، غفرالله لها، وتريد أن تضلل القارئ العربي وتحيد به عن مسار تراثه الأدبي. وفي الحقيقة هذه القطعة لا يصح أن نسميها شعرًا لأنها غير مقصودة للشعر على الحقيقة، ومعلوم أن أبا العلاءالمعري شاعر فيلسوف وأديب لغوي عروضي متمكن من اللغة ويجري الكلام الاعتيادي على لسانه مجرى الشعر، فهل نحمل الكلام الاعتيادي على أنه شعر من أجل التأصيل لنشأة الشعر الحر؟. ولماذا لم تذكر تعليق ابن خلكان على هذه القطعة، فهو يقول “وهذا إنما يذكره أهل هذا الشأن للمعاياة لا لأنه من الأشعارالمستعملة”.

‏بعد هذا الذي ذكرته لك عزيزي القارئ، أتوجه إليك بسؤالي:

‏هل يحق لنا أن نقول: الشعرالحر تأصيل قام على التضليل؟

‏بقلم/ حسن عبده المعشي “بساط الحقيقة”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى