إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

تحت الرماد

في السابق لم تكن مؤلفات د. مصطفى محمود حاضرة بذات القدر داخل مكتباتنا، كحالها اليوم، حيث يمكن للقارئ الحصول على كامل المجموعة إثر زيارة خاطفة لمكتبة جرير.

كوني مهتم.. فادني الشغف بكتابات الدكتور الإسلامية، في تشكل رؤيتي وتفضيل نهج وسطية الدين، بعيدًا عن ضيق الأفق ديدن أصحاب التيارات المتعصبة صانعة أسس الفرقة داخل نسيج المجتمع بل وتربية النشء عليه، هم بذلك لا ينظرون بعين الاعتبار لما يجمع ويوحد الصف بقدر حثهم الأتباع سير سبل الفرقة والتفرقة من تهميش وتضليل الآخر، والدعوة لهدمه وإقصائه وإدانة انتمائه، بل تكفيره إن لزم الأمر، مع أن التعدد، لا سيما المذهبي، حتمي الحدوث بنص القرآن وبحسب طبيعة البشر وما جُبل عليه الخلق.

وحري القول أن في الأمر سعة، هذا السعي نحو التحزب والغلو لم أكن يوما -بحمد الله- منساقًا إليه رغم كونه شغلنا الشاغل في الحياة اليومية للناس، لذا أجدني من باب الموالاة منافحًا حينما يأتي ذكر الدكتور في لفيف جمع ما فيوصم بمقولة غبية من نوع (هذا الذي كان ملحد …) فأنبري حينها للقوم مدافعا: “هو لم يلحد، ولكن متشكك اقرؤوا كتبه «رحلتي من الشك إلى الايمان، حوار مع صديقي الملحد، القرآن كائن حي، القرآن محاولة لفهم عصري»” ولكنهم لا يفعلون ولن يفعلوا؛ فقد أنِسوا بما رسخ في الذهنية الشعبية واكتفوا بما يبثه مشايخهم من فهم عقائدي محدود، وكأن التدبر في دين الله وفهمه مناط بفئة دون غيرها، مع أن الكل يلهج بذكر (الحكمة ضالة المؤمن)، حيث لو تمعنا بما يعنيه هذا القول لوجدناه يحيلنا إلى مفهوم أنه من المقدر لمسلم ما أن يعزز إيمانه بسبل المعرفة العلمية ومطالعة كتب الفلك أو نظريات وأبحاث عالم مثل (أينشتاين) قد تجعله بمثابة داعية للإيمان بالخالق، يأتي ذلك من باب توافق العلم للقرآن وأخذًا بمبدأ البحث عن الحكمة الذي سقناه آنفًا.

في حين نجد مع شديد الأسف من بعض أهل الإسلام من ينكر كروية الأرض ويعتقد أنها محور الكون، ثقافة كتلك لا تعكس النهوض الحضاري ولا تعزز ضرورة الأخذ بأسباب العلوم الحديثة هي من أفرزت حالة الإقصاء والتحزب وشكلت جانبًا كبيرًا من وعي الناس لعقود مضت، والجميع يعلم مخرجات تلك المرحلة وما جلبته من شرور وتعطيل للحياة وبعدًا عن الإنسانية.

لذا نجد ناقدًا مهمًّا مثل (محمد العباس) أدرك هذه المعضلة، يكتب مقاله الشجاع عن تأثير ووقع الصحوة داخل المجتمع القطيفي وما خلفته من سلبيات وتعطيل للفكر الناقد، وهو الأمر الذي سبقه إليه كثير من الكتاب السُّنة في مواجهة خطاب الصحوة المتشدد.

اليوم نرى هذا الخطاب الصحوي بشقيه الشيعي والسني بدأ بالانحسار ومفاهيم الغلو والتكفير كادت تندحر، وإن وجدت أقلية تحكم الصحوة قناعاتهم فهم رهائن فكرها رغم تكشف مضامينها، منهم مثقفين علقت رواسب المرحلة لديهم داخل النفس تطل برأسها عند احتدام النقاشات وإن ادعوا خلاف ذلك، ربما البعض معذور فظلال الصحوة طالت الجميع ولكن عليهم تدارك هذا الوضع وتصويب مسار قناعاتهم بتفعيل دورهم الإيجابي تجاه المجتمع.

فلا بث الفرقة وظيفة المثقف، ولا دوره تأجيج الصراعات وخلق أزمات من هذا النوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى