إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

خلجات نفس

رغم أننا نكره الحق، إلا إنه قريب من نفوسنا، ولربما يجري في دمائنا متخبطا، مترنحا، مختالا، ويقضي فينا ما أراد له المراد أن يقضي، تلك اللحظة العصيبة المرة، التي تجعل قلوبنا تستنزف قطرات دم حمراء قانية تسيل من نفوسنا، وموجة تتراقص حزنا أجد لصرخاتها صدى يشق الصخور، وتلك الضحكة الجميلة التي تجد طريقها عبر الشفاه، أمست رمادا وحطبا محروقا، والدمع يطفئ ما يحرك تلك الخلجات المغروسة، شوق جارف يرتسم على محيى العيون، وذكرى! نعم أضحت ذكرى ممزوجة بالفرح والألم، ذكرى دفنت تحت الثرى، هذه الذكرى الجميلة التي كانت بالأمس قريبة، وقريبة جدا، لدرجة الإحساس بها، لأنها رسخت حولنا طابعا ملموسا في كل زاوية من الزوايا المحيطة بنا، أمسى هذا في عالم الغيب، وفي عالم النسيان مع مسيرة الحياة، ليس سوى تلك اللحظات التي ستفجر بركانا يستعيد فيه أجمل اللحظات وأروعها فيما كان.

رغم أن أصعب إحساس نعايشه هو الإحساس بالرحيل على أمل لقاء قريب، فإن هناك طاقة هائلة في نفوسنا تحركنا، تنعشنا، تدعمنا للقاء، فماذا نسمي أصعب إحساس بالوداع الأبدي؟

وإن كان هذا البعد اشتياقا، ومع الاشتياق تكتشف حقيقة الشعور، فماذا نسمي حينئذ ذاك العارم من الشوق الذي يحتضن مشوقه ليجده سرابا؟

لا تنقضي مع الحق أحلامنا فقط، وإنما ينقضي الإحساس برحيل عزيز، وينقضي معه كل جميل ليبقى تنميقا يمر علينا، لينظف أعيننا من ملح مائها وصور تتبعثر نحاول التقاطها لتكون ملطفا للنفوس المكتظة بالهموم، تطلب الرأفة من بارئها فيما قضاه علينا من قدر، وما فرضه علينا من قضاء، فالعفو نطلبه، والرحمة نستجديها، بأن لا نؤخذ بضعفنا، وما تملك منا من مرحلة تبدأ بضربة قوية ثم تتعافى بِرويَّة.

فقد رحلت، وودعت، وحفها الليل بهمسه، والتراب بدفئه، مخلفة وراءها أجمل لحظة (لحظة الذكرى)، وأروع وداع (وداع الجسد).

بقلم/ وداد الإسطنبولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى