إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

عصفور أشهب

سَقَطَ عصفورٌ أمام باب شاب نحيل مدقَّق الذقن شاحب الوجه، كان عائدا من المطار حينما سقط العصفور، حَمَلَهُ برفق وأخذ يتأمل جناحيه فقد يكون تعرَّضَ لِكَسْر أو اعتداء من إحدى القطط الضالة.

حاول يحثُّهُ على الطيران مرَّات عدة؛ إِلَّا أنه يسقط كلَّما فَرَدَ جناحيه، فشعر باليأس وأن هذا العصفور قد حان وقته ليموت.

نَظَرَ إلى أعلى عمارة كانت في الحَيّ الذي يقطنه. كان دائمًا يخطط لزيارتها ولم يجد الوقت لذلك.

ها هنا نَظَرَ إلى العصفور الذي أخذ يلفظ أنفاسه؛ قد تكون هذه رسالة لأنهي ما بدأتُهُ. دخل في حالة صمت طويلة أمام النافذة محدِّقَا بالأفق.

نهض من مكانه وحمل العصفور داخل كرتون مهترئٍ بعض الشيء، وكان قد أخرجَ منه بعض الألبومات القديمة؛ صور سوداء من أماكن معتِمة لرجل حادِّ الملامح يمسك سَوْطًا في يده اليسرى، كأس مكسورة في يده الأخرى، توجد خدوش على الصورة… ملامح الرجل تكاد لا تظهر، وقد تم الحفر على إحدى عينيه والرسم على فمه بخطوط سوداء عميقة تكاد لا تظهر ابتسامته.

بدأ الاضطراب على الفتى الذي كلَّما أمسك الألبوم ترتجف يديه.

أخذه ورَمَى بالألبوم في القمامة، وأخذ يكتب على عجل على ورقة الملاحظة تم إلصاقها على باب الثلاجة: “لا تنتظروني؛ سوف أُحَلِّقُ اليوم بعيدا”.

حَمَلَ الكرتون وأخذ يعدو مسرعًا نحو تلك العمارة الكبيرة، مَرَّرَ أصابعه على الدرج كأنه يتفحص المكان، عندما نظر للأعلى لم يَرَ سقفًا إِنَّمَا سُلَّمًا لامِعًا يسحبه للأعلى؛ التفتَ إلى العصفور الذي بَدَأَ بالارتجاف، فَرَبَّتَ على جناحيه ليطمئِنَه بأنه قريب منه.

صعد الدرج طابقًا تِلْوَ طابق دون أن يُحِسَّ بتعب، وَصَلَ للطابق التاسع الأخير. لَفَحَتْهُ الرياح بقوة حتى لمعتْ عيناه عندما رأى السُّحُب الكثيفة تتجمع حوله.

اقترب من الحافة وأخرج الكرتون المهترِئ، وأمسك العصفور وقذف الكرتون وراقبَهُ يتمزَّق مع الرياح العاصفة التي ذَرَتْ بعض الغبار في عينِهِ لتنزل دمعة حارقة على خَدِّهِ وتسقط على جناح العصفور ليهتزَّ جناحه، وهنا أطلقَ صرخة عظيمة قائلًا: “هيَّا أيُّها العصفور؛ إِمَّا أن تطير الأن أو تدمِّر نفسك”.

غَرَسَ العصفور مخالبه الصغيرة في ذراعه لينفجر الجناحان من ظَهْر الفتى وانطلق مُحَلِّقًا عاليًا في الأفق البعيد.

حَلَفَ أحد قاطني العمارة أنه رأى فتًى مُحَلِّقًا بجناح عصفور أشهب.

بقلم/ طفول سالم

 

مقالات ذات صلة

‫55 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى