إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

ما بين الغربة ومرض الأم

ما بين الغربة ومرض الأم في قصة “شمعة” للكاتب أسامة الفرماوي.. قراءة سيكولوجية
————————————-

معلم تربية اجتماعية مصري يعمل بإحدى مدارس دولة خليجية، تقريبًا في نهاية الثمانينيات أو أوائل التسعينيات من القرن الماضي، يدخل عليه زميله الأستاذ مجدي، حجرةَ المعلمين، وعلامات الحزن والأسى على وجهه، ويعمل في يده ورقة التلغراف الذي وصل للمدرسة لهذا المعلم، بعثته له أخته بمصر تخبره بأن أمه مريضة جدًّا وحالتها خطيرة، فما كان منه ودون أدنى تفكير إلا أن حجز على أول طائرة ذاهبة لمصر، وترك عمله وحلمه بالزواج من زينب خطيبته، وبالفعل وصل لأمه، وظل في خدمتها ورعايتها طبيًّا وعاطفيًّا، حتى تماثلت للشفاء.

في هذا الإطار دارت قصة “شمعة” للقاص المصري “أسامة الفرماوي”، المنشورة في: المجلة العربية، السعودية، العدد (545)- فبراير 2022 م- رجب 1443هـ.

نبدأ بتحليل عنوان القصة “شمعة”، وهل هو متناسب مع متن السرد والجو النفسي للقصة أم لا، يقصد الراوي البطل من شمعة؛ أي: الأم، فهي الشمعة التي توقد بشكل يومي لأبنائها منذ أن أتوا إلى الدنيا حتى آخر نفس في عمرها، وحتى وأمه مريضة مرضًا شديدًا وبعد خروجها من العناية المركزة بالمستشفى ورجوعها لبيتها بعد شهر قضته هناك، شبهها بشمعة عيد الميلاد التي توقع مع التورتة (كيكة الحلوة)، أو بالشمعة الصغيرة التي توقع في الاحتفال باليوم السابع لميلاد الطفل، أو كما يطلق عليه يوم السبوع (سبوع الطفل)، بينما كانت أمه طوال عمرها وقبل مرضها شمعة، ولكن بحجم وطول النخلة التي كانت أمام بيت جده؛ وقد قال هذا الابن بطل القصة: (يومان، خرجت بعدهما من غرفة الإنعاش، شهر وكانت في البيت، عندما دخلت وجدتها على السرير نحيفة، شاحبة الوجه، صفراء بلون الشمعة التي تعلو (الكومودينو)، شمعة سبوع طفل أو عيد ميلاد لا أدري، ولكن لماذا هذه الشمعة بالذات؟ لماذا لم يأتوا بشمعة بطول النخلة تضرب بجذعها في أعماق الأرض، عريضة عرض شجرة الجميز الرابضة منذ أمدٍ بعيد أمام بيت جدي بفتيل لا ينتهي أبدًا؟ انتفض قلبي بشدة، لن يغمض لي جفن حتى يتم شفاؤك يا أمي، شاحبة أنتِ أيتها الشمعة، ضعيفة، لستِ كسابق عهدي بكِ، فاتنةً كنتِ، ساحرة، تشعين فتنةً ودلالًا، فقد وصفت الكاتبة “عبير التميمي” الأم بلغة شعرية، في روايتها “في منتصف الليل” الصادرة عن دار الكتاب للنشر والتوزيع بالمنصورة، العام 2011، (ص26): “هي منبع الحنان، هي التي تسكن في الوجدان، حواء يا سبب وجود الإنسان، أسكنكِ الله في الجنان”، بينما وصف القاص “أسامة الفرماوي” في قصة “شمعة” الأم على لسان ابنها البطل الراوي: “النساء يا أمي النساء، تعلمين ثرثرتهن، جيرانكِ يا أمي طالت ألسنتهن، كم تعجبن لاحتفاظك بحيويتكِ، ونضارتكِ، وزوجكِ كل هذه السنوات الطوال! يوم أن حاولت الذود عنكِ أذكر هذا اليوم جيدًا، أذكركِ يا أمي القمر، والنجوم، والليل الطويل، سواهن الله جميعًا على قدٍّ ناهض”؛ يقول الدكتور سعيد صادق – أستاذ علم الاجتماع – (لموقع “مصراوي” الثلاثاء 7 نوفمبر 2017): “إن الابن يخاف من والده، لما سمع عنه في صورة (سي السيد)؛ لذا يلجأ إلى أمه كرمز الحنان بالنسبة له”.

ففي قصة “أنا وأسيادي” إحدى قصص المجموعة القصصية الأولى “آن له أن يبوح” للكاتبة المصرية الدمياطية “شافية محمود معروف”، عرضت إشكالية الأم التي أُصيبت بشلل نصفي، وكل من حولها من البنات وزوجة الابن رفضوا رعايتها؛ بحجة انشغالهم بحياتهم الخاصة وبيوتهم وأبنائهم، وعلى النقيض في قصة “شمعة” للكاتب “أسامة الفرماوي” كان البطل وأخواته البنات حول أمهم: “ساعات وكنت هناك، قبَّلت قدميها، ارتحت على صدرها، غسلت دموعي وجهها الملائكي” (كونسولتو)، احجز في أي وقت يا دكتور، لحظتها فقط رأيت على وجهها ابتسامة الحياة، ودمعة كَوَتْ قلبي، وفطرت قلوب أخواتي البنات اللائي خرجن لكيلا يزدن الجو اشتعالًا.

ذكر الكاتب لأسماء شخصيات قصته أو عدم تحديد أسماء لهم: ففي قصة “شمعة” لم يذكر القاص “أسامة الفرماوي” سوى اسم شخصيتين فقط؛ الأول هو (الأستاذ مجدي)؛ زميل البطل الراوي للقصة في المدرسة التي يعمل بها بالخارج، وكان ذلك مرة واحدة في بداية القصة، أما الاسم الثاني فهو (أبو زينب) والد خطيبته بمصر، وقد كرر البطل ذكره مرتين، وذكر “زينب” نفسه على لسان أبيها مرة، حتى البطل الراوي للقصة نفسه لم يذكر الكاتب اسمه، وفي اعتقادي أن سبب ذلك يرجع إلى حب وتقدير البطل لزميله مجدي؛ حيث قال: “ابتسامة مرتعشة تلك التي ارتسمت على وجهي، عندما دخل علينا الأستاذ مجدي حجرة التربية الاجتماعية، وفي يده ورقة، حزينًا كان، كئيبًا، تخرج الكلمات من فمه متثاقلة بطيئة، انتحى بي جانبًا وأعطاني إياها”، بينما على العكس تمامًا عندما يذكر أبا خطيبته زينب، فيتحدث بلغة ولهجة مختلفة، مما يدل على الكراهية الشديدة والكثير من المشاعر السلبية تجاهه؛ فمرة يصفه: (ملعون “أبو زينب” باعها لي بعشرة آلاف، أخذ ثلاثة، قرأت الفاتحة وشبكت، سبعة آلاف وتكتب وتدخل؛ هكذا قال لي)، والمرة الثانية يذكره بكل شر : (سرحت قليلًا فبدا لي وجه “أبو زينب” كبيرًا بحجم المصيبة التي ألمت بنا، يسب ويلعن الزمن والظروف التي عرفتهم بنا، وربطت بيني وبين ابنتهم، وفي النهاية رمى لي الشبكة والهدايا؛ لأن زينب أتى لها -على حد قوله- من يقدرها ويصونها، ارتسمت على وجهي ابتسامة خافتة، بينما هوت على خدي دمعة، واستقرت في يدي)، وهنا أراد الكاتب بذكره لأسماء هاتين الشخصيتين أن يذكر اسمًا لزميل عمل كان يقف بجوار زميله في الغربة بكل احترام؛ فأحبه، وشخصًا آخر لم يصدر منه وفي كل المواقف التي جمعتهم، إلا كل سوء، فلم يحترمه؛ فكرهه كرهًا شديدًا.

في قصة “مقعد على الطائرة” إحدى قصص المجموعة القصصية “آن له أن يبوح”، ربطت الكاتبة “شافية معروف” بين مقعد الذهاب ومقعد العودة إلى الغربة، فتحكي عن قصة رجل ظل سنوات طويلة في الغربة، لتأمين مستقبل الأولاد، وقد قرر هذه المرة أن يرجع إلى بيته، وأنه لن يعود إلى تلك الغربة اللعينة مرة أخرى، ليس من المنطق أن يؤجل حياته لصنع حياة الآخرين، حتى ولو كانوا أولاده، إلا أنه اكتشف أنه بالنسبة لهم ليس أكثر من ممول، تجرأ وصرخ فيه أولاده، وقالوا له: (كُنَّا مرتاحين وأنت غايب) و(ارجع مطرح ما جيت مش عاوزينك)، فحجز مقعدًا على الطائرة وسافر في نفس اليوم، وهكذا كانت ضريبة الغربة والابتعاد عن المشاركة في تربية الأبناء لسنوات طويلة حتى كبروا، بينما الكاتب “أسامة الفرماوي” في قصته “شمعة” يعرض لإشكالية الغربة وتأثيرها على البطل الراوي، ومسألة السفر بالطائرة والرجوع للوطن لرؤية أمه المريضة: (حجزت بعدها على أول طائرة …)، فهو لم يغضب من شيءٍ سوى الغربة التي كانت بسبب أبي خطيبته؛ زينب؛ كي يجمع نفقات استكمال الزواج منها، وذلك من أجل بعده عن أمه “شمعة” التي تضيء سماء حياته؛ ولأن تلك القصة تتحدث عن العلاقة الإنسانية والأسرية والعاطفية والنفسية التي تربط الإنسان بأمه، فهي قصة اجتماعية لها شجون، وبالطبع دارت أحداثها -كما قلنا في بداية قراءتنا هذه- إلى عصر ما قبل انتشار التليفونات المحمولة، والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، والعالم الافتراضي، ومن ثَمَّ فالكاتب يرسم لنا مشاهد سردية، هناك الكثير من شباب اليوم الذين ما زالوا في العشرينيات أو بداية الثلاثينيات من أعمارهم، والقصة منشورة في بداية عام 2022 لا يعرفون كيف كانت وسائل الاتصال والتواصل بين الشاب المغترب للعمل خارج البلاد وأهله، من خطابات ورقية بالبريد وتليغرافات.

قد دارت الأحداث الرئيسية لقصة “شمعة” ما بين المستشفى والبيت، أما الأحداث الفرعية، فكانت داخل المدرسة التي يعمل فيها البطل الراوي بالخارج، وبيت خطيبته “زينب” عن طريق تقنية الفلاش باك؛ عندما يتذكر البطل حديث وتفاصيل كلامه، واتفاقه مع أبي زينب، طبعًا تجربة أي شخص مرافق لمريض أو زائر لآخر داخل المستشفى يجعله يشعر ويستشعر الموت؛ كما حدث مع البطل أثناء تواجده مع أمه: (في غرفة العناية المركزة، اللمبة الحمراء التي تتصدر الغرفة، تثير في النفس مشاعر الموت المؤلمة، أشحت بوجهي بعيدًا، فارتاحت عيني على آية قرآنية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180])؛ حيث دخلت العناية المركزة (الإنعاش) يومين، ثم ظلت محجوزة داخل المستشفى لمدة شهر قبل الخروج والذهاب للبيت: (يومان، خرجت بعدهما من غرفة الإنعاش، شهر وكانت في البيت)؛ مَن له أمٌّ، عليه أن يعيش كخادم تحت قدميها؛ فهي نعمة من الله لا يمكن تعويضها، لا أحد يشبهكِ -يا أمي- فأنتِ قمري في عَتَمَةِ الليالي، ونور شمسي في صباحي: (أنظر إليكِ الآن يا أمي لا القمر أرى، ولا النجوم، ولا القد الناهض، شحب وجهكِ، وهن عظمكِ، وعودكِ الملفوف أنهكه التعب، وأرغمته السنون على التقوقع، بريقكِ يتضاءل، يخفت شيئًا فشيئًا، وقلوبنا تبتهل إلى الله أن يمدكِ بطول العمر).

عقدة أوديب (بالإنجليزية Oedipus complex):‏ هي مفهوم أنشأه سيجموند فرويد، واستوحاه من أسطورة أوديب الإغريقية، وهي عقدة نفسية تطلق على الذَّكَر الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغار عليها من أبيه فيكرهه، وفي نظرية التحليل النفسي، مصطلح عقدة أوديب يدل على المشاعر والأفكار والأحاسيس الجنسية التي تبقى مكبوتة في العقل الباطن للطفل تجاه أمه (ويكيبيديا)، كما أن رضاءه عن أي عمل أو فعل أي شيء يكون متوقفًا على رضاء والدته عن ذلك؛ مثل: اختيار زوجة المستقبل، ونوع السيارة، ونوعية الأصدقاء والخروج أيضًا، ما يترتب عليه التعلق الشديد للطفل بوالدته، أو إصابته بعقدة أدويب التي تؤثر سلبًا على نجاح حياة الشخص اجتماعيًّا ونفسيًّا.

الكاتب والباحث/ محمود سلامة الهايشه

مقالات ذات صلة

‫47 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى