إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

مشيعو الموتى

مرتعش اليدين متثاقل الخطوات، شرّع أبواب بيته ودخلته الشمس إلى أن غابت وهو فوق كرسيه الهزاز تغمر وجهه الدموع منسكبة كمطر الشتاء حتى سلم قدرته لمن حوله ضعفًا وانكسارًا.

قبل أن تقف روحه المنهارة بين شفتيه تغرغر وتأبى الخروج، تدمي أطرافه وتنازعه متوعدة بحديثها الأخير، ألم أقل لك يوما ما ارحل ودع خواطرهم تنحني فوق أرض لم تصنعها حيله عاجز كف يديه في وقت قدرته، حتى أنهكها بوقاحة صمته وتذمره الخفي، فسحقته عجلة الزمن متماهية برقة قلب عاث به الواصل، وأغواه الهزل، فنال منه شيطان الهواء، وأسقطه نداء الود بحمق، أعتقد عمقه بإنسانيته الخجولة، المتورقة في خياله، وهو يعيش خريف عمره المتهاوي ظلما وندما.

كلما اقترب صباحه أدارت ظهرها الأيام ساخرة من معشوقها المستباح في شريط ذكريات لم يعد بها غير سوادها متمردة شاردة، ظن أن تفيق فغطت في سباتها، تلعن أيامك وتحلف بذكرياتها غير آبهة بما كان.

فن المستباح أغرقها في استغباء مشيعي الموتى، فتباكت معهم، وأقامت صلوات الاستغاثة ودعوات الابتهال، حتى فاضت مشاعرها “فستبكتهم” رحمة الله كم كان سيدًا وقورًا.

استبدلت مجلس الأحياء برفات الموتى، متصنعة شفقة يشوبها غروب قاتم في صباح يوم مشرق جديد، تجاهلته لحظات، فغاب إلى الزوال دون عوده.

غيضٌ من فيضِ كرمِ عابري سبيل، أرهقهم طغيانا ومعاناة أحبة رحلوا، فتواترت أخبارهم بسيرة عطرة، لم تكن في حسبان إخلاء تشاركوا معهم السقف والموطئ والسجاد.

يوقد شمعته في يوم عاصف، ثم يسخط على الظلمة متناسيا ضعفها أمام ريح لم تتهيأ لها، ينتظر رحمة من خذله، وجعله يتسول جذوة تحميه.

وعدتني بحسناتها وأهدتني عيوبها، جمعتهم في غفلة وأطلقتهم في صحوة ضمير لفَّ حباله حتى تسلق قمتها، فوجد خواء وتناثر أشياء، البعض منها والكثير لا يشبهها، عصر الخرافة والتنبؤ بالمستحيل مستقبل استقراء الأحلام واستنطاق الأوهام تجارتها، لا يحلو لها مقام دون سواها.

تكبدك الألم ثم تقسم لك بما يحلو لها بأنها كادت تشنق خصلات شعرها غضبا على فعلتها، وتظهر الخجل في مقصدها الخفي، بحفنة ملح في صيام السبت وصلاة الجمعة البيضاء، بتوارد خواطر الأعاجم، زهواً بأيام مضت من عمرها على ضفاف ثقافات مختلفة كان نصيبها منها أغرب من لقائي بها.

طقوس وتراتيل وعبادة، تتداعى مرتدية ستارا أبيض تحت خمارها الأسود السري، محاط بقسم الوقوف هنا خوفا من الانسلاخ المفاجئ لشعب بلغ كمال العقل وأتى منتهى الجلال، دون أحد من العالمين.

وكأني اغتسلت بثلج بارد فما بلغت حد الغسل وما وصلت رغبة الماء.

ختامًا.. صديقي وابن قريتي “مسعود” معاتبًا: أين أنا من كل هذا؟ هل تريد أن تلحق بي صفة الفاشل وأنت تدور حول حماك؟ ثم تنعتني بعدم الاستقراء، في صيغه المباشرة بأنك أكبر من فاشل وأقل من رجل أتعبته الحياة فغمرها برداء لم يعد يطيقه وأرسلها إلى نهر جارٍ علَّ ماضيه يخبو ويختفي إلى غير رجعة.

ومضة:

الأحياء ينتظرون الموت، فماذا ينتظر الأموات؟

يقول الأحمد:

لن يغنيك حلم ساقته الأقدار عن واقع جلبته لنفسك.

☘️??☘️??☘️??☘️??☘️

بقلم الكاتب/ عائض الأحمد

مقالات ذات صلة

‫50 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى