إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

قراءة بقصة “من أجل أمي” للقاص هشام أزكيض

نحاول اغتيال الخوف بالهروب نحو الهاوية .. قراءة بقصة “من أجل أمي” للقاص هشام أزكيض سيكولوجيا الخوف من الموت

 

حاول الكاتب “هشام أزكيض” من خلال 384 كلمة؛ هي مجموع كلمات قصته “من أجل أمي”، المنشورة بمجلة الشارقة الثقافية، العدد 63، يناير 2022 – أن يرسم لنا مشهد الشباب الهارب عبر البحر إلى أوروبا، على سفينة من سفن الموت، موت الأحلام والشباب، إما بالرصاص من حراس الحدود قبل الوصول للشاطئ، أو ابتلاع الأجساد من قِبل الحيتان، أو مفرمة أسنان أسماك القرش.

جاء العنوان “من أجل أمي” متناسبًا تمامًا مع الجو النفسي للقصة، ومع الإشكالية التي تطرحها، وللمتلقي هنا أن يعتقد أن تلك الأم هي الوطن الذي تركه البطل هاربًا باحثًا عن لقمة العيش، أو أمه التي أنجبته، فقد اختتم قصته؛ قائلًا: (سأرجع لأن أمي هناك، أمي التي كنت سأموت، دون أن أستأذن منها!)؛ علمًا بأن البطل الراوي للقصة هو الوحيد الذي نجا من بين جميع من كانوا على السفينة، ووصل إلى إحدى شواطئ الأمان: (الوحيد الذي استطاع الرجوع بكامل أنفاسه دون أن يتم بقبره بحر مالح، فقد وجدت شاطئًا في النهاية!)؛ فقد ذكر المؤلف (أمي) صراحة داخل القصة أربع مرات، أما الوطن فقد ذكره مرتين؛ هكذا: [(أنا لم أكره يومًا وطني، وإنما تعبت من الجذور التي تموت في ترابها قبل أن تبزغ … )، (حماقة الرحيل عن وطنه من أجل لقمة عيش مرة، وترك رغيف الكرامة وراءه)]؛ فالشيء الإيجابي رغم مرارة المشهد بأن هذا الشاب برغم سعيه وراء لقمة العيش، وتعرضه للموت المحقق أثناء رحلة الهرب البحرية، فإنه ذكر أنه لم يكره يومًا وطنه، وأنه ترك في وطنه رغيف الكرامة، مما يدل على مدى رسوخ قيم الانتماء الوطني لدى هذا الشاب، وهذا يدل على سلطة النص بين الأثر في المتلقي ووعي وإدراك الكاتب للمشاكل الاجتماعية الناتجة عن الأزمات الاقتصادية الخاصة بالبطالة، ونقص فرص العمل؛ مما يدفع الشباب للهجرة، حتى لو كانت غير شرعية، الذي استطاع أن يقاوم الأمواج العاتية، ويفلت من فك الحيتان، ويصل للبر، ويرجع لأمه سالمًا، والسبب كما ذكر هو في بداية سرده للمشهد المأساوي: (أن أترك خلفي دعوات أمي، وكل آثار الأصدقاء، التي تتراكم في روحي منذ طفولتي)؛ أي: ببركة دعاء الأم له؛ فاستجاب الله لها.

تدور أحداث قصة “من أجل أمي” على ظهر سفينة كبيرة عتيقة، والتي كانت تبحر في بحر موحش، كل من كان على السفينة قفز في البحر في محاولة للنجاة، بعد أن صرخ فيهم قائدها وبأعلى صوته قائلًا: (الآن أيتها الأسماك اقفزوا إلى البحر، وحاولوا أن تنجوا من الحيتان التي ستواجهكم قبل أن تصلوا إلى شاطئ)… ، إذًا فحدود القصة الجغرافية وبالعامية المصرية: “بين شطين وميه”.

وصف القاص “هشام أزكيض” على لسان راوي قصته نفسَه هو والشباب الذين كانوا مجموعة على سفينة هذا المهرب، وصفًا تصنيفيًّا؛ أي: وصفهم كمجموعات، ولكن الشعور الموحد على كل من كان على ظهر السفينة الخوف الشديد، الخوف من الموت؛ إما غرقًا بأمواج البحر الهائج، أو ابتلاعًا من حوت، أو قتلًا برصاص حرس الحدود؛ وجاء الوصف على هذا النحو؛ هو: (وكيف اخترت أن أكون كاللص في مركب متجه نحو غربة؟!)، ثم هو وآخر: (كان يتابع تفاصيل الجميع من حوله مثلي، وكان خائفًا مثلي)، أحدهم: (كان يقرأ القرآن بصوت مرتجف)، وآخر: (كان يتفقد أوراقهُ قبل أن تغرق، كان يحاول جمعها في حقيبة صغيرة، ومن ثم في حقيبة أكبر وأكبر … وكأنهُ يحاول حماية حقه في هوية غير مبللة)؛ يعد الخوف في تلك اللحظات أمرًا طبيعيًّا جدًّا، فهو الخوف من المجهول؛ لأن الرغبة والفضول بمعرفة ما سوف يحدث خلال تلك الرحلة غير واضحة المعالم، بالإضافة إلى إصابة البعض بنوع من الخوف المرضي يسمى برهاب الماء أو الأكوافوبيا؛ حيث يتعرض المريض للإصابة بالهلع أو الفزع الشديد بمجرد اقترابه من البحر أو النهر، فما بالنا أنه في وسط بل في عرض البحر؟.

تعرض الكاتب إلى مرحلة الطفولة في موضعين (على لسان البطل الراوي، وهما في صورة أسئلة) داخل قصته “من أجل أمي”؛ السؤال الأول حول ذكريات الطفولة مع أمه وأصدقائه: (كيف استطعت أن أترك خلفي دعوات أمي، وكل آثار الأصدقاء، التي تتراكم في روحي منذ طفولتي؟(، أما السؤال الثاني حول توفير حياة كريمة طبيعية لهؤلاء الأطفال: (ألا يحق للطفل أن يرمي بالخيط بعيدًا لعل طائرته الورقية تلمس غيمة عابرة؟)، وكأن المؤلف يريد أن يجعل القراء مشتركين مع بطله في البحث عن إجابات لتلك الأسئلة، فيما يعرف بالقصة القصيرة التفاعلية/ التشاركية، وطالما تناولنا في الفقرة السابقة “فوبيا/ رهاب الماء” بحكم أن مسرح أحداث القصة السفينة في البحر، وربط الكاتب بين ذاك الشاب الهارب وراء حلم المعيشة الكريمة، من هذا المنطلق نذكر أنه يوجد عدد من العوامل التي تلعب دورًا في الإصابة بهذا الاضطراب؛ مثل: تعرض المصاب للغرق أثناء مرحلة الطفولة، والذي أدى إلى إصابته بهذا الخوف الشديد من مجرد رؤية الماء أو الاقتراب منه.

تتناول قصة “من أجل أمي” للكاتب “هشام أزكيض” قضية مهمة ومعاصرة؛ ألا وهي الاتِّجار بالبشر، والهجرة غير الشرعية من دولة لأخرى، في إحدى مراكب الموت، وترتبط موضوعات الهجرة بحياة الإنسان وأمنه وسلامته، وتتعلق بمبدأ من مبادئ حقوق الإنسان؛ وهو الحق في التنمية، ولا بد أن يكون للجهات الرقابية دور في القضاء على مصدِّري الهجرة غير الشرعية والمخالفين، الذين يوهمون الشباب بحلم الثراء الخادع، فجميع من كانوا على السفينة مع بطل قصتنا (كان يطاردهم الأحلام التي رسمها لهُ بائع الموت قبل أن يصعد إلى هذه السفينة)، وفي النهاية نقول للبطل الراوي للقصة: حمدًا لله على سلامتك، ونجاتك من الغرق، وعودتك لأمك وبيتك، وأرضك ووطنك الأم، وللقاص هشام أزكيض، وصلت أسئلتكم ورسائلكم؛ لأن بائعي وصناع الموت من المهربين أمنوا العقاب، فأساؤوا في حق شباب أوطاننا.

الكاتب والباحث/ محمود سلامة الهايشة

عضو نادي أدب قصر ثقافة المنصورة

والمحاضر المركزي بالهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية

مقالات ذات صلة

‫50 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى