التاريخ يتحدث

قصة أصحاب الكهف

ذكر القرآن الكريم قصة الفتية الذين آووا إلى الكهف هاربين بدينهم وعقيدتهم من وطأة الطغاة وعذابهم، وتحصنوا في الغار مختفين متوارين من أنظار قومهم، ووقعت قصة هذه الفتية في آيات كريمة من بدايات سورة الكهف، يقول الله تعالى: ﴿‌أَمْ ‌حَسِبْتَ ‌أَنَّ ‌أَصْحَابَ ‌الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا…﴾ [الكهف: 9 – 26]، وحكاية هذه القصة العجيبة المثيرة للدهشة في هذا الموضع فقط من القرآن الكريم، ومن المعلوم أن الله لا يعرض علينا أمرا أو نهيا أو قصة إلا ليكون عبرة للمعتبرين، وعظة للمبصرين
قصة أصحاب الكهف:
وَصَفَ القرآنُ الكريمُ أصحابَ الكهفِ بأوصافٍ مُحبَّبةٍ تَعكِسُ ما يَحمِلهُ شُخوصُ القَصَّةِ وأبطالُها من قِيَمٍ تُمثِّلُ مَطلبَ الإيمانِ بالله وحده، قال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى).[٣] وفي خبرِ أصحابِ الكهفِ أنَّهم فرُّوا بدينِهم من مَلكٍ ظَهرَ في مدينَتهم فعبَد الأصنامَ وعبَّدَ قومهُ، فانصرفَ هؤلاء الفتية عنه إلى كهفٍ خارج المدينةِ فارّين بدينهم. تجتمعُ الرِّواياتُ على أنَّ الفتيةَ كانوا على دينِ عيسى ابن مريم عليه الصَّلاةُ والسَّلام، وأنَّ اسم الملك الكافر دَقيوس أو دَقَنيوس، واسمُ المَدينةِ التي يحكُمُها أفسوس أو يُقالُ طَرَسُوس، ومنها خرج الفتيةُ خوفاً من الملكِ على دينهم وأنفسهم، وكانَ تعدادُهم سبعةً كما رجَّحَ المفسِّرونَ استشهاداً بما ذكره القرآن الكريم، قال تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا)،[٤] واتفق العلماء والمفسرين عن العددِ الحقيقي، فكانوا سبعةً وثامنهم كلبهم، والله أعلم

هذه القصة قصة عجيبة تساءل عنها اليهود وطلبوا من قريش أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وقد قال الله تعالى في ذلك:
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا. (الكهف: ٩)

فهي عجيبة وإن كان يوجد في الكون عجب منها.
والكهف هو المغارة الواسعة، والرقيم هو العلامة أو الكتابة أو الرسم على الشيء وقيل هو اللوح الذي سجِّلت عليه أسماؤهم وقيل كتاب دوِّنت فيه أسماؤهم وقيل اسم الجبل وقيل اسم القرية.
قال سعيد بن جبير ومجاهد: الرقيم لوح من حجارة وقيل من الرصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم وشد ذلك اللوح على باب الكهف.

خرج الشباب من القرية التي كانوا فيها حَتَّى آوَاهُمُ الليل إلى الكهف، فدخلوه فقالوا: نبيت هاهنا اللَّيْلَةَ ثُمَّ نُصْبِحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَتَرَوْنَ رَأْيَكُمْ فَضُرِبَ عَلى آذَانِهِمْ، فَخَرَجَ الْمَلِكُ فِي أَصْحَابِهِ يَتْبَعُونَهُمْ، حَتَّى وَجَدُوهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْكَهْفَ، فَكُلَّمَا أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَدْخُلَ أُرْعِبَ، فَلَمْ يُطِقْ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ، فَقَالَ قَائِلٌ: أَلَيْسَ لَوْ كُنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْهِمْ قَتَلْتَهُمْ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَابْنِ عَلَيْهِمْ بَابَ الْكَهْفِ، فَدَعْهُمْ فِيهِ يموتوا عَطَشًا وَجُوعًا، وكان لديهم كَلب لم يفارقهم، فناموا في هذا الكهف، هرباً من المَلِك دقْيَنُوس، الذي كان يَعْبُدُ الأَصْنَامَ ثم نَسيَ الناسُ أمرَهم بعد ذلك.

بعد أن مرَّت كل تلك السنوات، استيقظ الفتية بأمر الله تعالى وكأنهم لم يناموا سوى يومًا واحدًا. وقد شعروا بجوع شديد فقالوا لأحدً منهم اذهب إلى السوق لتحضر لنا بعض الطعام. ولكن كن حذر حتى لا يلاحظك أحد، وبالفعل خرج أحدهم إلى القرية حتى يشتري طعامًا لهم. لكنه قد لاحظ أن هناك تغيير شديد في الناس وفي القرية، وكذلك تعجب من شكله أهل القرية، فقد كان يلبس ثيابًا غريبة. كما أن النقود التي يملكها لم يعد أحد يستخدمها من مئات السنين، وقد سألوه عن حكايته فحكى لهم ما كان. وهنا ذهبوا أهل القرية بالفتية إلى الملك الذي يوجد في هذا الوقت، وقد كان الملك على ديانة المسيحية. فانطلق معهم إلى الكهف لكي يراه، فلّما وصل إلى الكهف ورأى بنفسه ما حدث به وصدق ما كان منهم من حكاية. توفاهم الله على الفور، وقد قام الملك ببناء كنيسة على الكهف للصلاة.
كما توجد صورة باسمهم في القرآن وهي سورة الكهف.
فضل سورة الكهف
من خصوصيات السورة التي سُمِّيت باسم أهل الكهف وفضائلها: أنها عصمة لقارئها من الفتن، لذلك روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي الدّرْدَاءِ رضي الله عنه أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدّجّالِ. (صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي.
وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال:
“من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين”
فهي نور وضياء لقارئها من الجمعة إلى الجمعة الأخرى وفي بعض روايات الحديث وزيادة ثلاثة أيام، وبهذا النور تُبدّد ظلمات الفتن ويستنير صاحبها في حياته ومعاشه ومعاده، بل هي عصمة لقارئها من فتنة عظيمة ألا وهي فتنة المسيح الدجال عصمنا الله وإياكم منها؛ وهذا من ثمرات قراءتها وحفظ آياتها.
مناسبة قصة أهل الكهف في القرآن الكريم
نَزلَت سورةُ الكَهفِ تثبيتاً لرسولِ الله عليه الصَّلاةُ والسَّلام وتصديقاً لرسالته، ذلك أنّ كفَّار قريش بعثوا النَّضْر بن الحارث وعُقبةَ بن أبي مَعيَط إلى أحبار اليهود يستفتونهم في النَّبي محمد عليه الصَّلاة والسَّلام، فرجع النَّضر وعُقبةَ إلى أهليهم يحملون من اليهودِ ثلاثة أسئلةٍ؛ أولاها شأن الفتيةِ أهل الكهف، وثانيها الرَّجل الطوَّاف، وثالثها الرُّوح، فأبطأ الوحيُ على رسولِ الله خمسة أيامٍ، ثمَّ جاءه بسورة الكهفِ، وأخبار أصحاب الكهفِ، وذي القرنين، ونَزلت الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ).

الدروس المستفادة من قصة اصحاب الكهف:
قدرة الله سبحانه وتعالى وسعت كل شيء، والتوحيد بالله واليقين والثقة فيه يجعل الإنسان دائمًا في معية الله وحفظه. كل ما يقدره الله ويكتبه له حكمه في حياة الإنسان، فقد يمنع عنه الشر أو يأتي له بالخير. المسلم القوي دائمًا متمسكًا بدينه مهما واجهته تحديات.

اقرأ المزيد من صحيفة هتون 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى