إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

أصل الحكاية

قبل أيام تعرضت شقيقتي لعارض صحي استدعى نقلها على وجه السرعة إلى إحدى المستشفيات لتلقي العلاج اللازم، وكنت أنا من رافقها بتلك الأزمة بعد أن تم إدخالها إلى قسم الطوارئ الخاص بالسيدات. كان المكان عبارة عن عدة غرف متراصة بجوار بعضها البعض، تفصل بين كل غرفة وغرفة ستارة فقط وممر طويل بين تلك الغرف. ظلت شقيقتي هناك لساعات طوال وكان الوقت يمر ببطء شديد، شعرت خلال فترة الانتظار الطويلة تلك بالملل والسأم؛ فنهضت من جوار شقيقتي بهدوء تام خشية ألا أوقظها، سحبت تلك الستارة وخرجت إلى الممر رأيت بعض النسوة من المرافقات مع مرضاهم يقفن بذلك الممر، بلا شك الذي أخرجني أخرجهم أيضا وهو الانتظار الطويل والملل.

لقد جعلني خروجي من الغرفة أتأمل قليلًا بواقع الحال الذي أمامي، تأملت الأسرة المتراصة والتي ترقد عليها الكثير من المريضات، منهن من هي طاعنة في السن ومنهن من هي في ريعان الشباب والكثير منهن ولكن المرض والسقم لا يعرف عمرا معينا. سرت قليلا ألقيت التحية على من أجدهن بطريقي، كانت وجيه البعض تقرأ من أول وهلة، رأيت في تلك الوجيه من اكتست بالقلق والخوف والترقب والتوجس، ورأيت في وجوه أخرى الأمر بالنسبة لهن عاديا وكأنها في مقهى من صوت الضحكات المتعالي، وكان المريض الذي ترافقه لا يعني لها شيئا وأخريات يفترشن الممر ويجلسن بجوار بعضهن البعض ملتهيات بأحاديثهن.

أحداث كثيرة مرت أمامي في لحظات، وكأن أحد ما يسرد لي قصة مختلفة الأحداث والوقائع.

رأيت خلال جولتي تلك امرأة تقف منفردة بزاوية بعيدة بذلك الممر، رأيتها شاردة الذهن وكأنها ليست بعالمنا بل بعالم آخر اقتربت منها وألقيت عليها التحية وبادرتها بقولي: “لماذا لا تجلسين؟ إن الوقوف هنا متعب للغاية.” قالت: “ليس هناك مكان للجلوس سوى تلك الاسرة التي يرقد عليها المرضى.” وقبل أن أسالها قالت: “أنا أرافق تلك المريضة.” وأشارت إلى أحد الغرف والتي كانت بها امرأة عجوز، فقلت لها:

هل هي أمك؟

قالت: لا

قلت: أختك

قالت: لا

قلت: ابنتك؟

قالت: لا

قلت: إحدى قريباتك؟

قالت: “لا، لا أعرفها وجدتها بداخل الحي الذي اقطن به تئن وتتوجع وكانت وحيدة، وعندما سألتها عما إذا كان لها أهل وأبناء لأخاطبهم، قالت: “ليس لها أحد فجئت بها بنفسي إلى المستشفى، وها أنا الآن معها منذ وقت طويل جدا”.

تعجبت من تلك المرأة وبنفس الوقت احترمتها وقدرت لها ذلك الموقف النبيل الرحيم، والذي لا يصدر إلا من شخص سليم القلب؛ فلقد رافقت امرأة لا تعرفها وقامت بإسعافها، ذلك والله هو خلق المسلم القويم والذي ندر للأسف في زمننا هذا. الرحمة خلق رفيع يتصف به أصحاب القلوب اللطيفة التي ترق لآلام الخلق وتحسن إليهم، تعني الرأفة ولين الجانب والعطف، بعد ذلك أثنيت عليها وشكرتها شكرا بالغا، ودعوت الله لها بأن يجزل لها الأجر والمثوبة على صنيعها مع تلك المرأة العجوز. وذكرتها بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

ثم استأذنتها وغادرت إلى غرفة شقيقتي للاطمئنان عليها.

كم هي الحياة مليئة بالقصص والحكايات الواقعية، منها ما هو مُرٌّ ومنها ما هو حلو، وغالبًا ما تحتوي هذه الحكايات على دروس وعِبَر يمكن الاستفادة منها.

بقلم/ فوزية بنت عبد الله الشيخي

مقالات ذات صلة

‫45 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى