زوايا وأقلاممشاركات وكتابات

سعد الآخرين

من خلال معايشتي وتواصلي مع الناس، بكل صراحة أقول: لقد تفشى الإحباط في نفوس الكثير وتخلى الأكثر عن الفرح والسرور، فانصرفت البهجة عن واقع حياتهم، وتناسوا أن الأفراح الصغيرة وقود للأفراح الكبيرة، وأن البحر يبدأ بقطرة، والشجر ينهض من بذرة.

من هذا المفهوم أنقل لكم اليوم قصة قد قرأتها فأعجبت بها واستمتعت بقراءتها؛ قصة جميلة تدل على معاني البذل والعطاء للآخرين حتى ولو بالكلام الحسن، فالكلام الجميل له مفعول السحر في النفس البشرية.

في إحدى المستشفيات كان هناك مريضان هرمان في غرفة واحدة، كلاهما معه مرض عضال أحدهما كان مسموحًا له بالجلوس في سريره لمدة ساعة يوميًّا بعد العصر، ولحسن حظه فقد كان سريره بجانب النافذة الوحيدة في الغرفة، أما الآخر فكان عليه أن يبقى مستلقيًا على ظهره طوال اليوم.

كان المريضان يقضيان وقتهما في الكلام، دون أن يرى أحدهما الآخر، لأن كلًّا منهما كان مستلقيًا على ظهره ناظرًا إلى السقف، تحدثا عن أهليهما، وعن بيتهما، وعن حياتهما الخاصة والعامة، وعن كل شيء.

وفي كل يوم بعد العصر، كان الأول يجلس على سريره حسب أوامر الطبيب، وينظر من النافذة، ويصف لصاحبه العالم الخارجي، وكان الآخر ينتظر هذه الساعة كما ينتظرها الأول، لأنها تجعل حياته مفعمة بالحيوية والنشاط وهو يستمع لوصف صاحبه للحياة في الخارج.

ففي الحديقة كان هناك بحيرة كبيرة يسبح فيها البط، وقد صنع الأولاد زوارق من مواد مختلفة وأخذوا يلعبون فيها داخل الماء، وهناك رجل يؤجِّر المراكب الصغيرة للناس ليبحروا بها في البحيرة، والنساء قد أدخلت كل منهن ذراعها في ذراع زوجها والجميع يتمشى حول حافة البحيرة، وهناك آخرون جلسوا تحت ظلال الأشجار أو بجانب الزهور ذات الألوان الجذابة، ومنظر السماء كان بديعًا يسر الناظرين.

كل يوم يقوم الأول بعملية الوصف والآخر ينصت في انبهار لهذا الوصف الدقيق والجميل والرائع، ثم يغمض عينيه ويبدأ في تصور ذلك المنظر البديع للحياة خارج المستشفى، وفي أحد الأيام وصف له عرضًا عسكريًا، ورغم أنه لم يسمع عزف الفرقة الموسيقية إلا أنه كان يراها بعيني عقله من خلال وصف صاحبه لها.

ومرت الأيام والأسابيع وكل منهما سعيد بصاحبه، ولكن في يوم جاءت الممرضة صباحًا لخدمتهما كعادتها، فوجدت المريض الذي بجانب النافذة قد قضى نحبه خلال الليل ولم يعلم الآخر بوفاته إلا من خلال حديث الممرضة عبر الهاتف وهي تطلب المساعدة لإخراجه من الغرفة، فحزن على صاحبه أشد الحزن.

وعندما وجد الفرصة مناسبة طلب من الممرضة أن تنقل سريره إلى جانب النافذة، ولم يكن هناك مانع فقد أجابت طلبه، وعندما حان وقت العصر، تذكر الحديث الشيق الذي كان يتحفه به صاحبه، فانتحب لفقدانه.

وبإيجابية قرر أن يحاول الجلوس ليعوض ما فاته في هذه الساعة، وتحامل على نفسه وهو يتألم، ورفع رأسه رويداً رويداً مستعيناً بذراعيه، ثم اتكأ على أحد مرفقيه وأدار وجهه ببطء شديد تجاه النافذة لينظر إلى العالم الخارجي وهنا كانت المفاجأة! لم ير أمامه سوى جدارًا أصم من جدران المستشفى، فقد كانت النافذة على ساحة داخلية.

نادى الممرضة وسألها إن كانت هذه هي النافذة نفسها التي كان صاحبه ينظر من خلالها، فأجابت بأنها نعم هي! فالغرفة ليس فيها سوى نافذة واحدة، ثم سألته عن سبب تعجبه فقص عليها ما كان يرى صاحبه عبر النافذة وما كان يصفه له.

كان تعجب الممرضة أكبر، إذ قالت له: ولكن المتوفى كان أعمى، ولم يكن يرى حتى هذا الجدار الأصم، ولعله أراد أن يجعل حياتك سعيدة حتى لا تُصاب باليأس فتتمنى الموت.

انتهت القصة.

***************

ترويقة:

قصة تحمل الكثير من المعاني الجميلة، حينما أدرك الرجل المتوفى أن الحياة تستحق أن نتعلق بها أكثر، ونتشبث بها بأقدامنا وأيدينا، بشعار مادام هناك حياة فهناك أمل.

فالكلمة الطيبة تعطينا دفعة إلى الأمام والأمل في الغد الجميل، وربما كان الأعمى في هذه القصة يريد أن يعطي نفسه أملًا بتخيل واقع لا يراه ففي بعض الأحيان نجد أن الأحلام تدفع الإنسان لصنع واقع جميل، قال الله تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ).

ومضة:

هناك معادلة تقول: “لا توزع الأسى على الناس فسيزدادون حزنًا على حزنهم”، فإذا أردت أن تتضاعف سعادتك أسعد من حولك، فالناس في الغالب ينسون ما تقول وينسون ما تفعل، لكنهم لن ينسوا أبداً الشعور الجميل الذي أصابهم من قِبلك.

“كُن مُتََفائِلاً وَابعَث البِشر فِيمَن حَولَك”.

الكاتب اليمني/ أ. صالح الريمي

مقالات ذات صلة

‫50 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى