إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

البر المدفوع

بينما كنت في طريق العودة إلى منزلي شاهدت امرأةً مسنةً كانت تقف أمام مدخل أحد المستشفيات تستوقف السيارات المارة لتوصيلها إلى مكان ما؛ فطَلبْتُ من السائق التوقف عندها وسألتها عن وجهتها فقالت: (أريد أن أذهب إلى المنزل)، فأخذتها معي.

وأثناء الطريق سألتها: 

أليس لديك أبناء يا خالة؟

أجابتني والعبرة في نبرة صوتها: لدي 4 أبناء ولكن الحياة أشغلتهم!.

وهل يقومون بزيارتك وتفقد أحوالك؟

فكانت إجابتها صادمة: نعم يأتون عندما يحتاجون المال؟

لم أشأ أن أتمادى في أسئلتي حتى لا أنبش جروحًا ربما أعانها الله عليها بالصبر؛ فغيرت حديثنا محاولة مواساتها بمواضيع عابرة حتى وصلنا لمنزلها، وهنا أخرجت نقودا لدفع أجرة التوصيل، ولكني رفضت أخذها وقلت (أنت كأمي.. فاذهبي بحفظ الله ورعايته)؛ فانهالت عليّ بسيل من الدعوات التي أشعرتني بالرضا والسعادة.

إنها نعمة من الله عز وجل أن يوفقنا إلى برّ آبائنا والإحسان إليهم وطاعتهم في كل شيء إلا في معصية الرحمن، فإننا نصاحبهم بالمعروف أما من ابتُلِيَ بالعقوق فقد تكبد خسارة الأجر وأُغلق في وجهه بابا من أبواب الجنة، ولن يدرك ذلك إلا عند رحيل أحد الوالدين أو كلاهما فالإحسان إلى الوالدين مقرون بعبادة الله، حيث ذكر سبحانه في محكم آياته في سورة الإسراء ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّاإِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، مما يجعل القصد من البر هو عبادة الله -عز وجل- ورضاه وليس من أجل مقابل دنيوي سواء كانا ماديا أو معنويا كالرياء والسمعة.

لكننا نجد أشخاصًا يقايضون في برهم ويعتمدون فيه على مبدأ الأخذ والعطاء وعقد المقارنات، وتتفاوت درجة برهم على هذا الأساس، فعلى سبيل المثال: عند طلب أحد الوالدين قضاء حاجة ماسَّة أو الذهاب إلى جهة صحية أو تسويقية هنا يبدأ التفاوض من الابن، وإذا تعثر عليه الحصول على ما يريد يبدأ بالتذمر والعتب وتوجيههم إلى الأخ الأصغر أو ربما الأكبر ليختم اعتراضه بعذر أقبح من ذنب (أنتم تفضلون فلانا علي وتمدون له يد العون إذا احتاج أما أنا للكرف فقط) بئس البر إذا كان هكذا بِرًّا مدفوعا.

أين نحن من قصة أصحاب الغار الثلاثة حيث كان العمل الصالح لأحدهم هو بر ه بأبويه الشيخان الكبيران والذي جعل الصخرة تنفرج شيئًا.

ولعلي اذكر قصة الأخوين اللذين اختلفا حول رعاية والدتهما المُسِنة حيث كان يعولها الأخ الأكبر -وهو مسن- طمعًا في برّها وكسب أجرها، بينما الأخ الأصغركان يريد أن يكون له مثل هذا الأجر فتنازعا عليها حتى طال الخلاف ووصل إلى ساحة القضاء وبعد جلسات طويلة، حكم القاضي بأن تكون رعايتها لأخيه الأصغر.

إن الأحرى بالأبناء التسابق في بر الوالدين ليكون لهم شرف خدمتهم والوقوف على حوائجهم ومراعاة كبر سنهم ووحدتهم وبرهم حتى بعد الممات.

أعلم أحبتي أن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ما زالت بخير وأن قلة من هؤلاء الأبناء من قَصَّر في حق والديه.

نسأل الله لهم الهداية والصلاح.

بقلم/ سهام القبي

مقالات ذات صلة

‫51 تعليقات

  1. ياسلام ياجمال يااحلى قصيد قرأته ومشاعري تفاعلت معه نتمنى نقرأ لك أكثر وأكثر مثل هذا الإبداع

  2. مدري ماذا اقول عن هذه الابيات الجميلة بالخيال والصور والمعبرة بنغم واحاسيس تفوق الوصف

  3. أحسست أنك في الأبيات تتحدث عن مشاعر حقيقية وليست مثل مايقولون الشعر لا يعبر عن كاتبه

  4. كلماتك أخذت بمجامع القلوب وفعلت الأعاجيب في ماقرأته من صور شعرية مجردة أو خيالية لله درك واستمر نحن الفانز و جمهورك

  5. الشعر الذي يأخذنا نحو الخيال والصور الإبداعية لابد أن نبحث عنه ونسجل الأعجاب به وهذا مافعلته هذه القصيدة ت

  6. مدهشة جداً الأبيات وتوظيف الكلمات وأدوات الشعر من موسيقى وقافية لخدمة هذا النص الذي يسلب القلوب والمشاعر

  7. لاحظت أنني أمام شعر متحرر في ألفاظه عن الألفاظ العادية فلذلك أرفع لك قبعتي إعجابًا

  8. قرأت الأبيات مرتين وكل مرة أجد أنها ذات مستوى فنّي رائع قد يتفوق على كثير من القصائد التي قرأتها من قبل .

  9. ماهذا السمو الشعري والإبداع الأصيل الذي يدهش القارئ للأبيات ننتظر الجديد منك

  10. رأيت في هذا الشعر القدرة الإبداعية اللغوية الخلاقة تتجاوز حدود التقليدية في التعبير جميل جدًا
    ع

  11. أبيات تقول أننا أمام فن رائع ورسم بارع وتصوير حاذق ومشاعر صادقة ننتظر الجديد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى