إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

دموع الكبار ليست للبيع

‏يا الله.. قد سعينا إليك بالدعــاء، نحن عبادك في هذا الوطن وفي كل الأوطان.

من أنقى وأرقى ما اقُتبس

صوت البائع الجوال يصدح في أرجاء الحي:

يا اللي عنده سعادة للبيع

يا اللي عنده فرح للبيع

يا اللي عنده حزن للبيع

يا اللي عنده دمعات قديمة للبيع.

أحب الباعة الجوالين.. أسرعتُ لأمي وقلت لها:

عندي ضحكتين قديمتين أريد بيعهما

قالت لي: افعل ما يحلو لك

اتجهتُ للبائع وقلتُ له : يا عم بكم الضحك؟

قال لي: يا بني ضحكة الطفل بليرة، وضحكة العجوز بألف، وحسب العمر نشتري.

دُهشتُ من فرق السعر وأخبرته:

يا عم الضحكُ ضحكٌ.. لمَ فارق الأسعار؟ أو إنك تغشني لأني ولد صغير؟

قال لي: احفظ يا صغيري.. ضحكة الكبار نادرة؛ وهذا سبب غلائها.

لم أفهم ما يقول لي: ولكني بعته الضحكتين، واشتريت بثمنهما بسكوتًا.

رجعت للمنزل، سألت أمي إن كان لدى أبي ضحكات قديمة؟؛ لأن البائع قال لي: ضحكة الكبار غالية.

بحثت أمي في كل أرجاء المنزل، لكنها لم تجد أي ضحكة لأبي؛ لأن أبي لا يضحك، ولكنها عثرت على كثير من دمعاته.

أعطتني إياها، وقالت لي هذا مصروفك للغد.

في اليوم التالي، وعند سماع صوت العم الذي يشتري المشاعر، أسرعت إليه وسألته عن ثمن دموع الكبار، فتلك غالية كضحكاتهم؟!

أجابني: دموع الكبار رخيصة، ولا أتاجر بها؛ لأن الكبار يبكون دائمًا، يا ولدي. في شارع المرفأ هناك نهر من الدموع، وفي المقبرة هناك نهر آخر، حتى إن أرملة الشهيد تمتلك أكثر من برميلين دموع لم أشترهما.

وهنالك دموع من قال:

أبـكــيـك يــا وطـنــي

أم أنـــت تبـكــيـنــي

الـــجــرح فــــيــــك

ولـــكن نــزفــه فيــني.

وهنالك دموع من قال:

يا وطني.. فـــإن كـان الزمـــان بسهـم البعـد راميــني

فبعــدي لـن يزيــدني إلا شــوقا لســاقيني.

—————–

ودموع من لم يستطع تأمين الدواء لأولاده

ودموع من لم يستطع تأمين المأكل والملبس

ودموع من أصبح يبحث عن لقمة عيشه

ودموع من يقف في طوابير الذل لتأمين ربطة خبز أو تنكة بنزين

ودموع من يقف على مدخل مستشفى يتألم أويتوسل لإدخال قريبه أو أحد والديه

ودموع من أفلست مؤسسته التجارية

ودموع من ترك عمله بسبب الأزمات

ودموع من لا يستطيع إنارة منزله

ودموع من أولاده تركوا المدرسة

ودموع من لم يعرف للعيد معنى.

يا بُني.. أنا أشتري ضحكات الكبار،  أما دموعهم فلا أشتريها. فهمت الآن؟

اللهم احمِ أبناء الأوطان: طفلًا أو شابًّا أو كهلًا، واغمرهم بالضحكات، ولتبق الضحكات تٌنتثر كالعبير ولا تباع، ولتغلى ثمن الدمعات، لربما تهتز مشاعر البعض.

بقلم/ أ. خالد بركات

مقالات ذات صلة

‫53 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى