إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

هارون الرشيد وأبو النواس

لا تحكمن بما سمعت عن الورى

إن شئت عدلًا فاحكمن بما ترى

راقت لي.. من روعتها وبلاغتها

غضب يوما هارون الرشيد على أبي نواس فطلب إحضاره إلى ديوانه وأمر بقتله، فلما حضر تفاجأ، ورأى الديوان مكتظًّا بالعلماء والأعيان، وسمع بحكم الرشيد عليه بالقتل.

قال: يا أمير المؤمنين، أذلك شهوة بقتلي

قال: لا، بل باستحقاق

فقال أبو نواس: إن الله يحاسب ثم يعفو، أو يعاقب. فيمَ استحققت القتل؟

قال هارون الرشيد: بقولك: ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر.. ولا تسقني سرًّا إذا أمكن الجهر

قال: يا أمير المؤمنين، أعلمت أنه سقاني؟

قال: لا ولكن أظن ذلك..!!

قال: وتقتلني بالظن، وبعض الظن إثم..

فقال: ولكنك قلت ايضا ما تستحق به القتل..

وهو قولك في التعطيل: ما جاءنا أحد يخبر أنه،

في جنة مذ مات أو في نار..

قال: أفجاءنا أحد..؟!!!

قال هارون الرشيد: لا

قال: فتقتلني على الصدق؟

قال أولست القائل: يا أحمد المرتجي في كل نائبة.. قم سيدي نعْصِ جبّارَ السمواتِ

قال: يا أمير المؤمنين أوصار القول فعلًا

قال: لا أعلم

قال: وتقتلني على ما لا تعلم

قال: دع عنك هذا كله، فقد اعترفت في مواضع كثيرة من شعرك بما يوجب القتل، وذلك كالزنا والفجور.

أو لست القائل:

دع المساجد للعبّاد تسكنها

وطف بنا حول خَمَّار لِيُسقينا

ما قال ربُكَ ويلٌ للذين سَكروا

ولكنه قال ويلٌ للمُصلينَا

فقال أبو نواس: قد علم الله هذا من قبل علم أمير المؤمنين، وأخبر أني أقول ما لا أفعل. قال الله تعالى: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ}

فقال الرشيد: دعوه وشأنه، قطع الله لسانه.

قال أبو العتاهية: قد قلت عشرين ألف بيت في الزهد ووددت أن لي منها الأبيات الأربعة التي لأبي نواس.

الحكاية تقول: رآه بعض أصحابه في المنام بعد أيام من موته،

فقالوا له ما فعل الله بك؟

قال: غفر لي بأبيات قلتها، وهي الآن تحت وسادتي.

فنظروا.. فإذا برقعة تحت وسادته في بيته مكتوب فيها:

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبِيَ كَثرَةً

فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ

إِنْ كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ

فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ

أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعًا

فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ

ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلَّا الرَجا

وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

 

العبرة.. لا تيأسوا من رحمة الله

{قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ}.

بقلم/ أ. خالد بركات

مقالات ذات صلة

‫45 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى