إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

أيهما أشد ألمًا

سألوني ذات يوم أيهما أشد ألمًا: موت وفقد الأب أم موت وفقد الأخ؟

فقلت لهم: كلاهما مر وعلقم.

فأنت بعدهم كفارس طُعن في المعركة وتُرك في ساحة القتال يشكو جروحه النازفة ويطلب جرعة ماء تنقذه من الموت المحتم، ستكون بعدهم كمصاب مكلوم في ساحة الحياة، تبحث في سراب الحياة عن أمل يعيدهم أوينسيك ألم فراقهم ولن تجد لأنهم ببساطة نعمة لا تُعوَّض.

فالأب هو الأمان بعد الله، والغيمة التي يظلك ظلها في كل حين وتمطر عليك ببركات السماء، والمظلة التي تحتمي تحتها حينما تزداد زخات مطر الحياة وقسوة رياح الأيام، وهوأيضًا ذلك الصقر الجارح المهيب الذي تلجأ له وتحتمي بقوة جناحيه ليمنحك طاقة الأمان بكل ما فيها من معنى، وحين تبحث عن الترفية والمتعة فلا يسعفك الوقت للطلب والأمنية؛ لأنك ستجد ذلك الساحر الذي سيحول لك عالم الأمنيات لحقيقة قبل أن تبحث عنها، لأنه دائمًا بقربك ويقرأ أفكارك ورغباتك ويحقق لك المستحيلات. عينه ترعاك وتراقبك عن كثب ويحيطك برعايته واهتمامه دون أن تشعر. قد يحرم نفسه لقمة العيش لتعيش أنت، وقد يمزق العالم من حولك في سبيل ألا يَمَسَّكَ سوء، هذا هو الأب وهذا هو حنان الآباء، فلا يعوضه بشر ولا يضاهي حنانه حنان أحد من العالمين، ولا يمكن أن يعوضه بديل مهما كان هذا البديل.

أما الأخ، ففقده بمثابة استئصال قطعة من روحك، تجد ألمها في كل حين بمجرد ذكره، تعود لك صورته حاضرة أمامك تستعيد لحظتها كل موقف وحركة وسكنة تقاسمتموها أثناء وجوده في حياتك، لن تملك حينها سوى أن تسيل دموعك معلنة عن وجع روحك التي تفتقده وبشدة، كم تتوق لِلُقياه؟ ولكن لا سبيل لكم. تتمنى رجعته ولكن محال لذلك، تبكي بحرقة لفراقه وتبقى حالك هكذا، كلما جاء ذكر اسمه في مناسبة أو محفل أو خطر ببالك فلن تجد سبيلًا للتعبير سوى دمعة حائرة وعينين مغرورقتين ببحر من الدموع، تعلنان عن مدى الاشتياق وتفجر ينابيع المشاعر الحارقة بين ضلوعك. كم مرة ستجده ماثلًا أمامك وفي أحلامك، تفرُّ من نومك فرحًا بلقائه، ليصدمك الواقع بأنه مجرد حلم جميل، تمنيت لو بقى مدى الحياة، وتردد الآه بعد الآه: “ليتني أستطيع أن أفديه بروحي لفعلت”، ثم تكمل شهيق الألم الذي سيسكن روحك ما دمت حيًّا.

ومن هنا أقول  لكل من يتساءل عن ألم الفقد والفراق:

لا أراك الله مكروهًا في غالٍ، ولا أذاقك الله مرارة الفقد. ومهما تحدث الفاقد عن من فقد، فلن يشعر بألمه سوى من خاض معاناة الفقد ذاتها.

لذلك.. امنحوا أحبابكم مزيدًا من الرعاية والاهتمام، واحضنوهم بالحب؛ فمؤكد هناك ساعة سيحين فيها الفراق مهما طالت الحياة.

دعواتي للجميع بطول العمر وحسن العمل.

بقلم/ موضي المطيري -القيصومة

مقالات ذات صلة

‫46 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى