إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

نافذة عبر الزمن (1)

وقف أمام نافذة مكتبه التي كانت بعرض الحائط تغطيها ستائر تميل للشفافية وتموج بها نسائم الريح فتلامس وجهه تارة وتبعد تارة أخرى. كان غارقًا في ذكريات زمن قديم لم يشعر بلمسات ستارته التي تربت بحنو على وجهه حينًا، وحينًا آخر كأنها تصفعه صفعة خفيفة لتحاول إيقاظه من أحلام يقظته الموجعة. كان قابعًت في ذكريات طفولته وشبابه؛ ها هو يسير في طرقات قريته، يسمع هدير زوج والدته يصرخ به: أين أنت أيها الكسول، هل يلزمك ساعتين للحضور والمنزل لا يبعد سوى خطوتين، ثم سارعه بصفعة قوية يسمع دويها كل من حوله.

هنا توقف عن التذكر وابتلع ريقه وأشاح بوجهه عن الورق الذي على مكتبه وقام من مكانه على المكتب وأزاح الستارة وفتح النافذة وهو يتنفس بعمق حين ورد على ذهنه كيف اقتص من ذلك الظالم بعدما كان كاتمًا لغيظه زمنًا طويلًا، لكنه منذ بلغ سن الشباب واشتد ساعداه لم يتوان عن أن يثأر لنفسه بصفعات عدة ولكمات متوالية جعلت زوج أمه يترنح ليطرحه أرضًا بعد ذلك وهو يردد:

“خذ ثمن ما أذقتني إياه منذ أن دخلت منزلي بحجة أنك عوضا لوالدي وأبي الثاني، خذ ثمن قسوتك وتنمرك وتعنيفك الذي أدميت به قلبي وقلب أمي أعوامًا متوالية، فلن تستطيع بعد اليوم ولن أسمح لك بفعل ماكنت تفعله معنا”، ورفسه برجله وجثا على ركبتيه باتجاهه وأمسك برأسه ورفعه ونظر في وجهه الملوث ببعض الدم وقال صارخًا: “ليكن لديك علم أنك من الآن انتهت وصايتك على ممتلكاتي وممتلكات أمي” ودفع رأسه بقوة على الأرض وتركه مضرجًا بدمائه في مستودع البضائع الذي يعمل به.

عاد إلى المنزل مسرعًا وركل الباب بقدمه والذي تركه شبه مفتوح حين خرج إلى المستودع حيث يعمل زوج أمه. دخل المنزل وهو ينادي أمه صارخًا:

أمي أمي أين أنتِ؟!

هرعت أمه نحوه مذعورة: ماذا بك؟ ماذا حصل؟ فسارع يجيبها: أمي أخرجي زوجك اللص من منزل والدي وأخرجيه من حياتي وحياتك للأبد.

صمتت الأم لوهلة مندهشة لا تعلم عما يتحدث صغيرها، لكنها تداركت نفسها وقالت باستغراب: من تقصد ياولدي؟! هل تقصد عمك الذي تعب في تربيتك وتأديبك؟!.

أجابها بغضب: هو ليس عمي، هو زوجك الذي أفسد حياتي وما زال يفسدها، وللأسف أنك يا أمي سرتِ معه كالعمياء لا تبصرين أفعاله، وكيف يستمتع بأموال أبي ويعيش حياته بالطول والعرض ولا يعطينا سوى ما يسد رمقنا.

ابتلع ريقه وهو ينظر من النافذة ومسح بيده على خده الأيمن حين تذكر موقف أمه آنذاك وصفعتها له تلك الصفعه الأولى في حياته فهي لم تضربه أبدًا لكنها الآن تعتبر أن كلامه عن زوجها هراء وأنها تعده حمامة سلام لها ولابنها الصغير وهو المنقذ لهما من الضياع.

تنهد تنهيدة طويلة وتذكر كيف أنه حاول أن يقنعها بكلامه وكيف أنه وضعها في موقف اختيار حين قال لها: يا أمي اختاري بيني وبين هذا الرجل فلن أبقى في مكان يجمعني به.

لكنها صرخت فيه مرارًا وهي تردد:

بُنَيّ.. بُنَيّ.. ماذا دهاك؟

استعذ بالله من الشيطان

قاطعها قائلًا: الشيطان زوجك الذي تدافعين عنه الآن، واقترب منها ووضع يده على رأسها وقال: أمي هيا قولي هل ستخرجينه من حياتنا أم أخرج أنا، نظرت له ثم وقفت وقالت بحزم: هذا الرجل زوجي ووالد أطفالي وأنت لا بد أن ترجع للصواب وتعقل واترك عنك هذا الهراء.

ماذا بك وماذا حصل بينك وبينه؟

لم يمهلها لتكمل واندفع خارج المنزل مسرعًا.

انتفض وهو ينظر من النافذة للأفق البعيد وتمثلت أمامه صورته وقد خرج من المنزل وكيف كان يجري بلا هدي، فلم يخطر بباله يوما أن تُفضل أمه عليه أحدًا، كان يجرى ودموعه تسابقه وألم الخذلان يحيط به من كل جانب، كان يعبر الطرقات كالسيل العارم المنذر بطوفان عظيم، قادته قدماه التي أدمتها حجارة الطريق إلى مكان غريب لم يرهُ من قبل، وقف وهو لا يدري أي أرض تقله وأي سماء تظله، حائر منهك القوى، تائه في زحام الحياة، محطم القلب. جال بنظره في المكان هنا وهناك لم يشاهد نفس يتنفس ولا حجر ولا شجر، هو يسير في أرض فضاء كأنها بحر متسع لا ضِفّة له، رفع رأسه للسماء وكأنه (يقول مالي سواك يالله)، ثم أطرق للأرض ولسان حاله يقول عائد إليك ولن أطيل أيها الوغد.

شريط من الذكريات يسير به وكيف أنه عبر كل القرى المجاورة وتغلغل في عمق الصحراء، وأدرك أيضًا أنه سار مسافات طويلة وقد نفدت قواه، فقال يا رب ساعدني فأنا في مكان مهجور لا يعلم مداه سواك.. يا إلهي الموت يقترب مني وشدة العطش تقتلني.

وبينما كان في حوار مع ذاته… يتبع الحلقة (٢)

بقلم/ موضي المطيري -القيصومة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى