إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

آخر الظرفاء

أرقبه يعبر الطريق الممتد من أول الحارة الواقع على تخومها المسجد القديم، يسلك دربًا ضيقًا بين أشجار النخيل السامقة، يأخذه إلى حيث ينفرج في اتساع على فضاء تحف ضفافه منازل الأحبة، يبدأ في اجتياز المرتفع اليسير أمامه ( الطلعة )، يدلف زقاقا جانبي ثم يختفي

عشت وترعرعت أراه أمام ناظري، دأبه التجوال، يجوب الحارة طولاً بعرض يملأ الدروب ضجيجًا ويشيع البهجة، اعتبرته بمثابة صديق وإن كان لا يفاضل على النقود أحدًا، ولكن يكفي أنه يظهر ودًّا وسرورًا لمرآي، ويحرص على إطلاعي بآخر تطورات الحارة، خلاف ذلك اعتبرته فيلسوف قل أن يجود الزمان بمثله، وهو يقف في منطقة ما بين الواقع والخيال، العقل والجنون، هائمًا في ملكوت الله.

بطبيعته لم يكن كتومًا، ومع ذلك لم أسمعه قط يتحدث عن جذوره وماضيه كأنما محاه من الوجود.

 في أواخر أيامه قادمًا من بعيد، جاء يسأل عنه، كانت الصورة وتطابق السحنة والملامح أبلغ من الكلام. يومها قيل أنه رفض النكوص لقومه، فضَّل البقاء في الحارة التي عشق ترابها وربط مصيره بها؛ في جانبه الإنساني كان جميلًا ومشرقًا يمتلك من ثراء الشخصية ما جعله مغايرًا في تفرده، ولأن له مكانة في النفس أحببت الكتابة عنه رغم تواضع التجربة لكن أعياني أن مجتمعنا دفان، كما قال “حسين زيدان” وعز على أن تنمحي ذكراه من الوجود، وهو رغم حرمانه الكثير من الأشياء -ولست هنا أشير للجانب المادي فقد كان تاجرًا بطريقته-  آثرت أن تبقى صورته المرحة المفعمة بحب الحياة حية في الأذهان.

وفي نهاية المطاف كان لا بد وأن يغرق مسعود في صمته الأبدي وتغرق الحارة في ضجيج لا معنى له. نعم رحل  مسعود وما خبت ضحكاته المجلجلة في مخيلتي.. رحل وما انمحت شكواه وهو يكشف عن آثار الكي في بطنه، قائلًا بأسى (شوف.. شوف.. أنا مريض بطني توجعني، بس.. عمي الحميدي بياخذني معاه مصر.. أتعالج).

بقلم/ عوض نايف

مقالات ذات صلة

‫59 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى