إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

صديقي الشاطر  حسن

حسن كان زميل مهنة في بدايات عملي بينبع، قضى معظم الوقت يفكر بصنع سيارة برمائية، مع فقر وتواضع قدراته  لاختراع عظيم كهذا، ومع ذلك كان مُصرًّا، ويسهب في الشرح، ومتفائل أننا في وقت قريب جدًّا سنخوض التجربة سويًّا (يا سلام ع الثقة).

 انتقلت للمدينة ومشروعه لم يرَ النور بعد، وانقطعت عني أخباره. بعد أعوام زرت ينبع لأكتشف أنه ترك الوظيفة ليمارس العمل الحر ويستمتع بنسمات الحرية حسب زعمه، كان يعتاش من تركيب أطباق القنوات الفضائية في بداية ظهورها والزبائن يأتون لباب البيت، كما قال. تمنيت له التوفيق وودعته بعد أن تبادلنا أرقام الهواتف على أمل الاتصال وهو ما لم يحدث قط، كونه لم يقتنِ هاتفًا نقالًا بعد، فيكتفي بإعطائي رقم أخيه الموظف الكبير وأنا بطبيعة الحال لا أتصل.

بعد ذلك بعامين التقيته في المساء وكعادته بهذا الوقت يحلو الجلوس له على دكة أمام بيتهم  العتيد في الحارة القديمة قرب البحر.

بترحاب استقبلني كأحسن ما يكون استقبال الرفاق القدامى، بل لامني لأنني لم أخبره بقدومي ليحجز لي أحسن شاليه في المنتجعات السياحية التي يعرف أحد المسؤولين عنها، قال إنه قدم له خدمات جليلة واخذ يتأوه بأسي: (آه لو قلتلي بس كان خليتك تجلس وتدلدل رجولك كدا في البحر، ويشير بيديه)؛ أهون عليه خليها مرة ثانية يابو علي، الأيام جاية كثير بوداعة يبتسم ولا أعلم مقصده أكانت دعوة مجانية منه أم أنه (سيدبسني) بمبلغ باهظ (أجرة الشاليه).

 عن خططه لم يفصح ولا عن سير أعماله في تركيب (الأطباق)، أنا سألت فمن الواضح أنها توقفت بعد شيوع وكثرة محلاتها في البلد. حين هممت بالانصراف طلب التمهل، قال: “أريد منك البقاء لمشاهدة شغلي الجديد.. انتظر وسترى”، قالها بنبرة ثقة وكأنما أراد أن يؤكد أهمية ذلك العمل. وقت يسير مضى قبل أن تظهر في طرف الشارع النافذ للبحر عربة (كرتا) يجرها حصان تتهادى بأنوارها المتلألئة لتضيء شيئًا من عتمة الحي. هبَّ صديقي واقفًا في استقبالها، ألقى نظرة سريعة فاحصة وأصلح خللًا ما، وانصرف سائق العربة لحال سبيله.

بعدما شاهدت عمله الجديد في تزيين عربات (الكرتا) بالكهرباء غادرت.

لم يكن هذا آخر العهد به، ولكن ماتلا ذلك من أعوام لم أسمع  عنه.. وفي المرات العديدة التي زرت خلالها ينبع لم ألتقِ به لانشغالي وضيق الوقت، أكتفي أحيانا بالمرور بالحي القديم ولا أصادفه.

من فترة وجيزة  سعيت أن أراه، روحه المرحة كانت حاضرة والذكريات القديمة تسكن جوارحي؛ في المساء قصدت داره فإذا هي خاوية لا حياة فيها والحي هامد غريب وقد فقد سحره وتوهجه، ما عاد ذلك الأصيل الذي أسكنه حسن شيئًا من حسنه وحيويته. بمساعدة أحد الجيران استطعت الوصول إليه. رغم انقطاعي وندرة تواصلي إلا أن أبو علي لم ينسَ العشرة واستقبلني بذراعين مفتوحتين وصدر رحب.

أخبرني كيف ألتحق بوظيفة في البلدية، ثم أصر على مرافقتي بجولة ليريني نماذج عمله.. طوال تجوالنا في شارع الكورنيش لم ينقطع حديثه عن الأشكال الجمالية الفنية التي تزين أعمدة الإضاءة وقد شغلت من الحديد وطُليت بالأصباغ الملونة وبين فترة وأخرى يتوجه ليلقي نظرة فاحصة صوب أعمدة المصابيح إلى أن استقر نظره على واحد منها، توقف والتفت.. ها إيش رأيك ..) عادية كانت ولكني ذكرت أنها تحفه يا أخي البلدية كانت غايبة عنك فين يابو علي. .. ابتسم وقد استحسن ملاحظتي ثم أضاف أنا رسمت الفكرة  للحداد وهو  نفذ.

في طريق عودتي للمدينة شعرت بارتياح وربما إعجاب حيال أمر صاحبي، فقد عاش حياة رحبة، غامر فيها وخسر

أيا كانت النتائج.. تقبلها، لم تقهره الأيام، ولم تنله نوائب الدهر، وبقي بريئًا في أحلامه وأمنياته التي لم يتحقق منها الكثير، ولكن يكفيه اعتقاده وإيمانه أن كل شيء ممكن الحدوث.

بقلم/ عوض نايف

مقالات ذات صلة

‫50 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى