11المميز لدينامواسم الخير 1443هـ

رحلة الرضا والرضوان.. رزقنا الله وإياكم

إنها  رحلة الخلود، رحلة العمر، الرحلة الأزلية الوحيدة التي تذهب إليها بحال وتعود بحال أخرى، تذهب مليئًا بالأوساخ وتعود نظيفًا لامعًا كيوم ولدتك أمك، تذهب ثقيلًا قد تراكمت فوقك الذنوب وتعود خفيفًا قد رميت كل أثقالك هناك وعدت .

لقد ظلت هذه الرحلة في ذاكرتي لسنين عديدة، كنت أتمنى أن أدونها حتى لا تضيع تفاصيلها الصغيرة الجميلة وسط غبار الذاكرة المتراكم .

كانت حجتي عام ١٤٣٥للهجرة، أي قبل ثماني سنوات، عندها جلست في مجلس والدي وقد أخبرنا أخي أنه ينوي الذهاب للحج؛ قلت له أنا معك؛ اعترض بعض أخواتي لأن بنتي صغيرة لم تكمل عامها الأول، لكنني أصررت على الذهاب، لم يكن لدي مال للحملة التي كانت آنذاك بسبعة الاف ونصف ولكن سبحان الله، تدبر المبلغ بكل سهوله ولله الحمد.

كنت قبل كل رحلة أحرص على شراء ما أحتاجه وأتجهز للسفر، ولكن تجهيزي للحج كان مختلفًا جدًّا، لأن السعادة كانت تغمرني وأنا أشتري أغراضي وأرتب أدواتي في شنطتي الصغيرة، يومها اسيقظنا باكرًا وتوجهنا لموقف الباصات، كانت الباصات كبيرة ومكيفة من الداخل، أخذت مكاني في نهاية الباص، وظلَّت واقفة لمدة ساعة كاملة، ثم تحركت ببطء شديد، ظلت هذه الباصات تسير طوال النهار، ولم ندخل مكة إلا بغروب الشمس.

توجهنا فورًا للحرم وطفنا طواف القدوم، بعد ذلك ركبنا الباصات ثانية متجهين إلى مكان إقامتنا، كانت خيمة واسعة تراصَّ الناس حولها بجوار بعضهم في صفوف متقابلة، كل كرسي كان يحمل اسمًا، أخذنا نبحث عن أسمائنا ووجدناها في وسط الخيمة، كل حاجَّة لها كرسي يتحول عند النوم لسرير، ولحاف ومخدة جديدة.

اليوم التالي كان يوم التروية، لم نخرج من المخيم، وعند الساعة الثانية عشر ليلًا طُلِب منا أن نتجهز للذهاب إلى عرفة وخرجنا عند الثانية بعد منتصف الليل وركبنا القطار متجهين إلى عرفة .

كان يوم عرفة يومًا استثنائيًّا، تمنيت أن يطول؛ كله ذكر وتسبيح واستغفار وصلاة.

 كنا نسابق الزمن لنُخْرِج مكنونات أنفسنا لنشمل كل الدعوات لنا ولأحبتنا ولمن أوصانا، فالدعوات في هذا اليوم مستجابة إن شاء الله .

عندما أتى العصر رأيت أجمل مشهد مرَّ عليّ في حياتي؛ الكل متجه إلى الله بالدعاء، انتهت أحاديث البشر مع بعضهم وبدأت أحاديث السماء، الكل يدعي بتضرع، الدموع تتساقط، الأيدي مرفوعة، الأفواه لاهجة بأجمل الكلمات .

بعد غروب الشمس خرجنا من المخيم وقد انتهى أجمل يوم في عمري على الإطلاق، بعد ذلك رجعنا وسط زحام شديد وركبنا القطار مرة أخرى عائدين إلى مخيمنا فقد قيل لنا أنه بمزدلفة ولا علينا إثم إن لم نبيت خارجًا .

في الصباح بدأ يوم العيد، جاء شيوخ مشهورين إلى مخيمنا وألقوا علينا الخطب مثل خالد الجبير وسليمان الجبيلان .

عند الساعة الحادية عشرة توجهنا لرمي الجمرات، ركبنا القطار، ورغم أنا نزلنا في آخر محطة إلا أن المشي كان طويلًا جدًّا، أُنهِكت من كثرة المشي. وصلنا قبل الزوال ووقفنا في طوابير قد اصطفت أمام الجمرات، كان هناك ازدحام شديد كاد أن يحدث تدافع وإغماءات، لكن الله رحمنا. مجرد ما بدأ الزوال فتحوا لنا المجال وانطلقنا لرمي الجمارات .

كان سور الجمرات قريبًا، لم نعان، ولله الحمد، وهكذا بقية الأيام مرت بكل يسر وسهولة.

في المخيم بدأت تنشأ بيننا صداقات جميلة من نوع آخر، نوع من الحب في الله؛ وأخذنا أرقام بعضنا لنتواصل بعد انتهاء رحلتنا .

 كنا متعجلين، انطلقنا ثالث أيام التشريق إلى الكعبة المشرفة، كان المشي طويلًا جدًّا إلى موقع الباصات، مشينا تقريبًا نصف المسافة، بعدها دخلنا الحرم قبل صلاة العصر وطفنا في سطح الحرم .

الحمدلله لو كنا في مكان آخر لما كان في مقدرونا المشي عُشرَ هذه المسافة لكن الله كان معنا، قطعنا الطواف وصلينا العصر مع الإمام ثم أكملنا وخرجنا من الحرم.

لم نجد سيارة تنقلنا الى خارج مكه حيث كان أخي الأصغر بانتظارنا، وقفنا طويلًا ومشينا أكثر وأكثر، وفي النهاية وجدنا صاحب تاكسي وافق على إركابنا معه، ركبنا السيارة، سبحان من أعطانا القوة والنشاط لنكمل ذلك اليوم. وبالاخير وجدنا أخي بانتظارنا في أقرب محطة من مكة المكرمة؛ ركبنا معه متجهين إلى مدينتنا الحبيبة.

وبذلك تنتهي أجمل قصة لأجمل رحلة ممكن أن يمر بها المسلم.

أتمنى أن تستجاب دعوة كل من يتمنى الحج .. وأن أعود لذلك الجو وتلك الذكريات الجميلة مرة أخرى.

بقلم/ نورة سعد المحمدي

 

#الحج #المشاعر_المقدسة #مكة_المكرمة #عرفات #مزدلفة #منى #رمي_الجمرات #السعودية #تفويج_الحجاج #وقفة_عرفات
#عيد_الأضحى #موسم_الحج #المدينة_المنورة #المسجد_الحرام #المسجد_النبوي #يوم_التروية #مركز_الهتون_الإعلامي #صحيفة_هتون #صحيفة_الديرة #aldira_net #alhtoon_com

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى