إسبوعية ومخصصةزوايا وأقلام

الوطن والقمح والفقراء

لا تخف من الفقر، ولا من الضيق، ولا على وطنك، ولا على الحق، ولا من شيء ما دام معك الله.

من أرقى وأنقى ما اقتُبِسَ في فن الكتابة:

كتب التلميذ في موضوع التعبير أدناه ما يلي:-

لم أولد رغيف خبز، فقد كنت حبة قمح داخل سنبلة خضراء تتمايل مع نسائم الصيف.. حتى جاءت آلة أخذتنا جميعًا إلى حيث خلعوا عنا قمصاننا الذهبية ووضعونا في أوعية كبيرة. كنت مرهقًا في هذا اليوم من كثرة الترحال وحزينًا على فقد سنبلتي وقميصي الذهبي، واستيقظت على بكاء حبات القمح من حولي؛ كل حبة تبحث عن أخواتها ولا تجد لهنّ سبيلًا.

ومن دون أن أدري وجدت نفسي أحتضن بعض الحبات وأغمضنا أعيننا ولم نستيقظ إلا على ضوء الشمس، ويد حانية تشبه نسائم الفجر تقلبنا ذات اليمين وذات الشمال، تساءلنا فيما بيننا عن هذه اليد، فأجابتنا: قمحة عجوز ترقد في شق في حافة الوعاء الضخم، إنها (نوارة) فتاة تعمل في جمع وتنقية القمح.

فسألناها مجددًا: ماذا يحدث لنا يا خالة؟

قالت: ستخرجون من هنا إلي المطاحن حيث تصبحون دقيقًا، ثم يصبح بعضكم خبزًا للفقراء وبعضكم كعكًا للأغنياء.

هكذا نحن في الوطن بالوصف وكحبات القمح.

للأسف.. إنه وصَف الواقع المؤلم في وطننا خير وصف، وشخَّصَ المرض، وطرح الدواء بين ثنايا الكلمات، فيكاد القلب ينفطر ويعتصر بالدموع لواقع يتحكم فيه من ليسوا أهلا له؛ فالفقير حامل الدموع هو أصلح الناس للقيادة فقد أدرك الألم وفضحته عيونه واعتصر قلبه، ويكاد ينقسم فهو أصلح الناس، فمن ذاق الظلم أهل للعدل، ومن بكى أهل للحب والسماحة، ومن اعتصر قلبه أهل للرأي.

وما نعانيه فهي شرذمة قليلون يتصارعون على منصب ونفوذ سلطة، سرقوا المال لكن لن يجرؤوا أن يسرقوا حضارتنا وتاريخنا وأصالتنا بالكرم والضيافة والعنفوان، فما دامت فينا وطنيتنا الحقيقية، ستتحول دموع البكاء لفرح وضحكات، رغم ما نراه من حرمان وظلم وظلام وكيدية وفقر وإذلال وهمجية، ستترسخ الحقيقة، وحقًّا يستحق ما نضحي من أجله، وبنقاء إيماننا ستتحقق آمالنا، وسيعود وطن يستحق الحياة.

أهل الظلم راحلون، الوطن باقِ ونحن فيه باقون.

اللهم إنّا نستودعك لبنان ومن يحبه له وحده.

بقلم/ أ. خالد بركات

مقالات ذات صلة

‫29 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى